بقلم: أحمد إبراهيم
الكلُّ يشهد والبعضُ يستشهد على ماحصل بمطار كابول في أفغانستان، إذ ونزاعُ القوم ليس محصوراً في صرف الأنظار عن كل أفغانستان بجبالها وسهولها وحسب، بل وتحجيمها بحجم مطار كابول .. والقوم ذاته لازال تشغله صياغة الكلمة ذاتها بين الإشهاد والإستشهاد، أوالشهادة والشهداء..!
طفلان أفغانيان حافيان شوهدا يمشيان دون كمامةٍ وعمامة خلف عربةٍ ذات الدفع الرُّباعي خرجت من قاعدة بلغرام بآخر جندي أمريكي الى مطار كابول، والإثنان يخاطبانه بلغةٍ لايفهمه الثالث، إذ ولكلٍّ منهما طلبٌ مختلف.!
الأوّل يخاطبه بلغة الأفغان مفادُه:/"ياالأفندي، ما تاخذني معاك الى تلك الشوارع بأمريكا وماعليها كوكبة أطفالٍ من جيلي، يدردشون في مجالات علوم الفلك والفيزياء والفضاء والطب والهندسة وغيرها" .. والطفل الثاني بلغة البشتون (الدخيلة على الأفغان) يطالبه بالبقاء في أفغانستان وتسليمه السلاح والعتاد، ويستبدل خوذته بالعمامة، ويطيل لحيته فينضم معه الى صفوفِ الضامنين له الجنة بحور العين.!
حوارُالطرشان هذا الثلاثيّ الأبعاد والأطراف والمواصفات، مهما كان عِلمانياً تسامحيّاً أو تشدّديّا جهاديا، إلاّ أنّ رابعاً ينقصك يامن تقرأ بين السطور وهو(السُقراط) .. نعم، (سُقراطُ أفغانستان)
سُقراط كان مؤمناً مقتنعاً بفكرته وقادراً على تغييرها إن أراد النجاة بحياته ولم يغيرها، وقادرا على الهروب من السجن فلم يهرب رغم عرض تلامذته وعلى رأسهم تلميذه أفلاطون(قامةُالحكماءاليونانيين) مساعدته على الهروب فلم يقبل، وصمَدَ على رأيه إلى أن صدر عليه الحكم بأن يحتسي السُمّ يومَ 15 فبراير399(ق.م.) فظلّ صامداً ينتظر قدح السم، الى أن جاء به الحارس وشربه سقراط، واليوم لانعرف اسم ذلك الحارس الذي أسقاه ولا القاضي الذي حاكمه، والكل يعرف سقراط صائب الرأي بإسهاماته في علم الإخلاق، وظل ملقّباً برجل الحكمة والعلم من العالم القديم
وسقراط أفغانستان قد قاله يوما: "وما أفغانستان من الفضاء إلاّ طواحين هوائية، لايُمكن الإغارة عليها من القِمَم، كما وهى من القيعان أرضُ ألغازٍ يعشقها الفكر يفهمها العقل .. ولكن .. يحكمها الجهل.!" .. ومن أقواله:/ "ياليت قومي بجبال أفغانستان الغنيّة بالمعادن والكنوز والثروات، يملك بعض مايملكه العقل الياباني في جبال اليابان، العقل الذي سخّر من تلك الجبال الأكثر وعورةً لرفع الإقتصاد السلمي الياباني إلى قمّةٍ إهتزّت بها قارة آسيا، ناهيك ثورة التقنية اليابانية تحسد عليها اليوم أمريكا والقارة العجوز(أوروبا)
اليوم في 31 أغسطس2021، ومنذ سبتمبر2001، من خرج من أفغانستان بعد عشرين سنة من التحليق في فضاءاتها، خرج بالقناعة ذاتها التي خرج بها القائد السوفييتي كان قد دخلها قبل أربعة عقود بأرتالٍ من الدبابات لزحف أراضيها من القيعان .. وكلُّ منهما شهد المشهد ذاته الذي تجدّد بمطار كابول من طالب تهجيرٍ وطالب تفجير..!
سقراط أفغانستان لايميل الى (المسدّس) بمفهومه السائد في الأذهان من سلاح ناري أمريكي خفيف الأيدي، ولا كلاشنكوف الروسي الثقيل على الأكتاف .. وإنما قاموسه يصيغ كلمة المسدس بمفهومه السُداسي الأطراف لأراضي أفغانستان المتشابكة بألغازها العِرقية مع كل من طاجكستان أوزبكستان وتركمانستان من الشمال، ومن الغرب إيران، ومن الشرق والجنوب باكستان، وبينما كل الطرق من شمالها يؤدّي إلى ذلك الجدار الذي لن يرضى بغيرجداره (جدارالصين).!
فالكلّ طالبٌ من أفغانستان بالخارج، والطالبان يطالبها من الداخل .. فيا ترى ما هوالطلب وما المطلوب من أفغانستان..؟
سؤالٌ أجاب عليه قبل عقود خبيرُ معادن متنقّل بين جبال أفغانستان ودول الست المجاورة، وكان قد إستلم منصبا مرموقا في إحدى دول الجوار لأفغانستان، وزاول مهنة استشاري في بعض الهيئات الدولية بمجال الطاقة والمعادن والتعدين ولم يؤخذ بأفكاره فتنازل عن عرش خبراته ولعله إختفى متنكّرا في جُبّة(سُقراط أفغانستان)
نقول(والكلام له قبل عقود) عندما ألتقيت به في عشق آباد، أن الصراع الأفغاني ليس ثنائي ولاثلاثي، وإنما هو صراع البقاء على قمة عرش الإقتصاد العالمي من خلال أهم منجمٍ للخامات النادرة في العالم .
وهو صراع اقتصادي، صراع الاستحواذ على مناجم (الخامات والمعادن النادرة) التي منها وبها صناعات(المستقبل) .. ومن بتلك الخامات اليوم، فهو(بالعمود الفقري لاقتصاد للعالم) غدا وبعد غد..!
وذلك لأن أفغانسان (والكلام لسُقراطها)
أولاً- باكبر احتياطي من معدن (الليثيوم)، الخام الأساسي في صناعة (بطاريات السيارات الكهربائية سيارات المستقبل) .. واسعار هذا المعدن قفزت من 6500 دولار للطن عام 2015، إلى 16500 دولار للطن، وقد يتجاوز 20,000 دولار للطن، وهذا المعدن سيتحكم بمستقبل تجارة السيارات .. فلاتسبتعدوا سرقة الصين لأضواء رفاهية السيارات عالميا من ثروة غير مستثمرة ومتوفّرة جنبها بغزارة في جبال أفغانستان.!
ثانياً- أفغانستان تعني مخزون هائل لمعدن(البرليوم) خام أساسي في الصناعات الاكترونية وصناعة الطائرات والصواريخ(فائقة السرعة) وأيضا صناعة الأقمارالصناعية والمركبات الفضائية وغيرها من الصناعات المستقبلية، وهذا المعدن أسعار سبائكه (بارقام فلكية).!
ثالثا- وتعني أفغانستان ثاني اكبر احتياطي عالمي بمعدن(النحاس) المعدن الاساسي في جميع الصناعات، وقد وصل سعر الطن المتري هذا العام الى 13000 دولار للطن، ومن المتوقع ان يصل سعر الطن بحلول عام 2025 الى 20,000 دولار للطن
إذن هنا الصين الجارة التي لاتبعد عن افغانستان اكثر من 2000 كلم من ممرها الحدودي (واخان) باقصى الشمال الشرقي لافغانستان، وهى لها منذ فترة بحديد طريق الحرير بدل حديد الدبابات والصواريخ
والأمر إن كان بالشورى (والمُستشار مؤتمَن):/
فنحن نقترح على أشقائنا من ذوي النفوذ والقرارات في كابول، ان لايضعوا كل البيض في سلة واحدة، بل لابدّ لطنين الصين المجاورة في أراضيها، من تغريدات للطيور اليابانية وزقزقة عصافيرها على أشجار أفغانستان.
فلتجلب كابول خبرات طوكيو وإستمثاراتَها الى جبال تورابورا وسهول وديان بانجشير في أفغانستان، بإحلالها محلّ التفخيخات والتفجيرات..!