

بقلم:خالد عرابي
هناك مقولة تقول: " إذا أردت أن تهدم حضارة فهناك ثلاثة وسائل لذلك وهي: هدم الأسرة ، هدم التعليم ، وإسقاط القدوة، ولهدم كل واحدة من هذه الأشياء الثلاثة فهناك معاول للهدم .. فلهدم الأسرة عليك بتغييب دور الأم ، بأن تجعلها تخجل من دورها وكونها ربة منزل .. ولكي تهدم التعليم عليك بالمعلم ، فلا تجعل له أهمية في المجتمع ، وقلل من مكانته حتى يحتقره طلابه .. ولكي تسقط القدوات ، عليك بالعلماء والمفكرين والدعاة والرموز الدينية وغيرهم .. أطعن وشكك فيهم وقلل من شأنهم حتى لا يسمع لهم ولا يقتدي بهم أحدا .. فإذا اختفت الأم الواعية .. واختفى المعلم الحقيقي المخلص ، وسقطت القدوة ، فمن يربي النشئ على القيم " ..
أرى أن هذه المقولة طبقت بحذافيرها قولا وفعلا في بلداننا العربية ومنذ فترة بعيدة ، وخاصة منذ الربيع العربي أي العام 2010 ومن بعده ، كما أرى أن هذا الأمر تم تصديره إلينا من الآخر - أقصد تحديدا من الغرب - وأنه كان عملا ممنهجا ومنظما و مدروسا و ربما أنفق عليه الكثير.. ولكن هذا الأمر كان نموذج بين في بعض البلدان العربية ، وربما يطبق على استحياء في بلدان عربية أخرى ، وأنه لم يصل إلى السلطنة بهذا المستوى الذي وصل به إلى بلدان عربية كثيرة.
ولكن يبدو أن سمة تغيّر نوعي وجذري حدث مؤخرا في سياسة الآخر - أعني الغرب- ومن يستهدفون أمتنا العربية والإسلامية ، فيبدو أنهم شعروا بأنهم نجحوا نوعا ما ولو بنسبة معينة - وبكل أسف - في "هدم الأسر" من خلال بث الخجل من دور الأم وأن تكون ربة منزل ، وأيضا في "هدم التعليم" ، من خلال التقليل من مكانته واحتقاره والتقليل من أهميته في المجتمع ، و حتى "إسقاط القدوات" نجحوا فيها وذلك بتشويه صورة العلماء والمفكرين و الطعن و التشكيك فيهم .. والآن يبدو أنه جاء الدور الأكبر وهو "هدم المؤسسات" مستفيدين من ذلك وبكل أسف أيضا من وسائل التواصل الاجتماعي التي يستفيدون منها في بلدانهم في كل خير وعمل بناء ، ويصدرونها لنا بكل شر وفي الهدم ويجعلونها وباءا علينا..
والآن لاحظنا مؤخرا سمة أمر آخر أصعب وأضل سبيلا، وتطاول آخر و يبدو أيضا أنه معد له سلفا و منظم وهو التطاول على مؤسسات الدولة العريقة والأساسية والمهمة والمساس بها والإساءة إليها ولمن بها لدرجة المساس بالأشخاص والرموز والقدوات من رؤساء وشخصيات بذاتها في الدولة ، بل والأغرب أن هذا الأمر وصل إلى السلطنة الآن ، فهذا شاب عمره سنوات يمكن أن نقول عنه "ابن أمس"، أو "ابن أمبارح" ، أو حتى بالمثل العامي "لم يخرج من بيضته بعد" وهذا تعبير عامي يقاس على الفرخ الذي لم يخرج من بيضته بعد ، فنجد هذه النماذج من السذج أو "الزعاطيط " أي الأطفال كما يقول أخواننا العراقيين ، ونجدهم وبكل صلافة وجرأة بل ووقاحة يتطاولون على عمود من أعمدة الدولة ، وعلى مؤسسة وركن حصين من أركان الدولة مثل مجلس الشورى ، و نرى أنه جاء اليوم الذي نجد فيه من يقول أنه لا يعجبني هذا المجلس.. أو أنني أطالب بالغائه وأنه لا داعي له ، أو أطالب بإقالة رئيس مجلس الشورى ، أو نجد من يقول: يا أعضاء مجلس الشورى ليس لكم وزن ولا قيمة وأن الشباب في تويتر أهم منكم و أدوا أفضل منكم وغيرها الكثير مما قرأناه وريناه مؤخرا في وسائل التواصل!
فهل يعقل هذا ؟! وهل نقبل أن نسمع مثل هذه العبارات والتطاولات السابقة على أجهزة و رموز الدولة ؟ لا والله ، إننا نرفض هذا الأمر وأنه أمر خارج علينا وعلى بلادنا التي تعرف بالتسامح و الأدب الجم والخلق القويم، ونرى أنه سلوك دخيل علينا ، بل و يدخل في إطار الهدم ، كما لا يقل خطورة عن أنواع الهدم التي جاءت في أول هذه المقالة من هدم للأسرة أو التعليم أو القدوة وغيرها .
وأقولها وبكل أدب ولكن بكل أنكار لكل ما قاله هؤلاء "الأدعياء".. من أنتم أيها الفتية لكي تطلقوا مثل هذه العبارات ومثل هذا الهجوم على مؤسسة من أعرق وأهم مؤسسات الدولة.. من أنتم لكي تتهجمون على سلطة من سلطات الدولة الرئيسية أنها "السلطة التشريعية" فمجلس الشورى ركن رئيسي وحصن حصين من أركان السلطة في عمان .. وأن المتابع لتجربة الشورى والسلطة التشريعية في السلطنة يعرف ما مرت به من تدرج ومراحل وفق السياسة التي اختطها وانتهجها باني نهضة عمان الحديثة المغفور له بإذن الله تعالى السلطان قابوس بن سعيد "طيب الله ثراه" وكيف أنها بدأت بمجلس استشاري في العام 1981، وبعدها بعشر سنوات أي في عام 1991 أنشئ مجلس الشورى العماني بحيث يضم ممثلين من ولايات السلطنة ينتخبون من قبل المواطنين العمانيين في انتخابات عامة تجرى كل أربعة أعوام، ثم أتيح المجال لدخول المرأة فيه وحصولها على حق الانتخاب والترشح، ثم التوسع بمنح أعضائه سلطات أوسع وأشمل منذ العام 2011 تقريبا وهكذا تمضي التجربة الديمقراطية في السلطنة ، والمسيرة ماضية ومستمرة وفي تطور دائم ومستمر ويسير على نفس النهج والخطى في ظل النهضة المتجددة في ظل رعاية مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه -.
فأي نعم وأن الدولة تتيح وتفسح الباب والمجال لكل سبل الحرية والديمقراطية وأن كل شخص مهما إن كان يستطيع أن يقول كل ما يريد متى ووقتما أراد وفي كل زمان ومكان ويستطيع أن ينتقد متى وكيفما شاء، و لكن يجب أن تكون هذه الحرية والديمقراطية ذات مسؤولية ، ويجب أن أن يكون هناك حد ومدى ، و أن يعمل الجميع بمبدأ "أنت حر ما لم تضر" أي أنه لكل شخص مطلق الحرية في التعبير عن رأيه بالقول والكتابة و لكن شريطة ألا يكون فيه إساءة لشخص أو مؤسسة أو غيره وألا يكون على حساب المساس بالوطن أو أي من مؤسساته ، وإلا فإنني أرى أنه من الواجب هنا عدم التسامح وأن تطبق القوانين على هؤلاء المتطاولين حتى لا نصل إلى هدم مؤسسات الدولة - لا قدر الله- حتى و لو كان في العيون فقط .