جوخة الحارثية - حرير الغزالة

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٢٥/مارس/٢٠٢١ ٠٨:٥٢ ص
جوخة الحارثية - حرير الغزالة

بقلم : سمعان كرم

لست ناقداً أدبياً أو لغوياً بل أنا قارئ يحاور المؤلف بصمت وهو يتصفح كتابه ويدخل في أدغال الكلمات. خلال السنوات الفائتة تعرفت على الرجل العماني وعاداته وقيمه واحياناً مشاعره، ولم أتعرف طبعاً على المرأة ولا الابنة العمانية. لا كيف تعيش في صغرها مع أهلها وعندما تكبر في منزلها مع زوجها وأولادها ولا عن مشاعرها، إلى أن قرأت منذ سنوات كتاب «سيدات القمر» ومؤخراً «حرير الغزالة» لجوخة الحارثية.

تأخذك هي في رحلة بقلب عمان برفقة غزالة وآسيا وحرير، أبطال قصتها. تنمو الصداقة منذ الطفولة في اللعب والسباحة في الفلج «تتسابقان ضد التيار وملاحقة السميكات السوداء الصغيرة وثعابين الماء المخاتلة»، تجول في البلدة التي تُعطي فيها الحيوانات اسماء - فالبقرة هي محبوبة، والحمار نازع والهر شيبوب. القرية اسمها «شعرات باط» والتي تغيَّر اسمها إلى الواحة. «في فسحة صغيرة بين الجبال بيوت قليلة متناثرة وبساتين اقل متجَّمعة وفلج يتوسطها فكأنها شعرات مبعثرة في إبط الأرض» - اهلها يأكلون المرق والقابولي والهريس واللقيمات والبلاليط والشواء.

وتعريف الكاتبة، وهذا هو الأهم، لا يقتصر على وصف المكان بل تدخل في أعماق مشاعر المرأة من فرحٍ وحزنٍ وحبٍ وضجرٍ وأحلامٍ تراها الحبيبة «حقائق، فينفخ فيها المحبوب لتبدو كفقاعة. ربما كانت الأحلام فقاعة من البدء؟ لكنها فقاعة من طوب، والطوب يهبط على روحها بكل صفاقته» - تروي لك قصص وشائعات السكن الجامعي، الطالبة التي انتحرت بعدما أنذرت بالطرد النهائي من الجامعة لفشلها الأكاديمي، والأب الذي جاء إلى السكن وجرجر ابنته من شعرها أمام الجميع والدكتور في كلية التجارة الذي تزوج طالبته في الماجستير على زوجته.

وقعت غزالة في حب جارها عازف الكمان في الأوركسترا. «كانت تنخلع من ذاتها إليه وتنسلخ عن وجود جسدها وحقيقة طينه إلى حيث العازف - حرير روحها يحترق كالنسيج واي دخان يصاعد لا يكتب غير اسمه». تركها العازف فأفاقت ذات صباحٍ فإذا بها في الثانية والعشرين وحيدة، مطلقة مع طفلين وشهادة البكالوريوس في التجارة. هي التي تؤمن أن الحياة بلا حب مجردُ قبر واسع.

ووقعت في غرامٍ مستحيلٍ على شاشة الانترنت مع فنان تشكيلي ومغنٍ لم تلتقِ به يوماً فيسليها بأغانيه وأخباره إلى أن حل الضجر والملل والسكوت. «لقد دخل الضجر، إن العالم مليء بالكلمات التي لا تستحق عناء التلفظ بها أو أن التلفظ بها قد مات».وكان غرامها الكبير الذي كان ممكناً أن ينسيها هجر عازف الكمان لها، لزميل لها في العمل. وبَنَتْ الاحلام وقابلها بعرضٍ للصداقة فقط وهو أب لعائلته- أما هي فلا «تريد برد الصداقة ولا برد المودة ولابرد التعاطف، ولا برد الأنس ولا برد اللطف. تريد نار الحب. لاشيء أقل، ولا بشرارة واحدة». لكنها منفصلة عن المكان، خارجة عن الزمان. «متى سأصل إلى بيتي» تقول لنفسها، حتى وهي متدثرة تحت الشراشف بين التوأم النائمين» إلى أن وصلت إلى بيتها إلى البحر وهي التي أحبت السباحة منذ صغرها ولم تعد.

يشبه أسلوب جوخة أسلوب فنان تشكيلي من المدرسة التعبيرية. ضربات ريشته صاخبة بالألوان والأشكال.جملها القصيرة والمعبّرة بعنف وقوة تشبه ريشة ذلك الفنان فتأتي اللوحة صاخبة. واقعية باردة ودون ثرثرة. لا تجميل أو تلطيف للكلمة أو للمشهد أو للمشاعر. في القرية «تمرّغ خيط الحليب من ثدي فتحية المكشوف على التراب» وعلى طريق المدرسة يترصد أحد عمال الطريق الهنود للبنتين، يطلع لهما فجأة في زقاق خالٍ ليقوم بحركات غريبة لاتفهمانها تنتهي بتبوّله أمامهما والتنحي عن الدرب ليهّربا» وفي بانكوك في شارع نانا « تعرض سجادات الصلاة بجانب البسطات التي تعرض اللعب الجنسية وصور بنات الليل والمتحولين جنسياً. وفي مكاتب الشركة حيث تعمل غزالة « شابات يستمدن الثقة من شيء واحدٍ هو كونهن متزوجات. لايكترثن أن كان الزوج بخيلاً أو قاسياً أو خائناً أو متعصباً وانما بحقيقة أنهن يحتفظن به وأن غزالة لم تحتفظ بزوجها. ترى لمعة عيونهن وكأنهن حُزنَ النجاح العظيم وتسمع في اصواتهن نبرة العطف المتعالي عليها».

وفي أسلوب الوصف جوخة واقعية مخيفة» والآن وقد جزّ الصدر الذي ارضع اربعة، واستوى البطن الذي حمل بهم، مُسِحت من جسدها ذاكرة الحمل والارضاع، هكذا بلا صدر، وببطن مسّطح عادت أمي إلى اصل حقيقتها قلباً وقالباً» ولا يخلو النص من بعض الطرافة- تتخيل جثة عمتها عندما تموت، هي التي لم تتزوج ولم يقاربها انسباؤها وظلت تشعر بالخيبة والوحدة.»لن يوجد على وجه الأرض جثة أسعد منها حين يلتف الناس الذين لم يلتفوا حول جسدها الحي، ولو كانت الجثث تضحك لما توقفت جثتها عن القهقهة سخرية منهم».

جوخه الحارثية هي أديبة معاصرة وحديثة. ترسم مرحلةً من تطوّر المجتمع الذي تعيش فيه بواقعية جريئة وتعرّف عليه بأسلوب خاصٍ بها مما أثار اعجاب وتقدير وتثمين الهيئات الأدبية العالمية التي منحتها أعلى الجوائز الأدبية المستحقة، وقد ترجم كتابها ’سيدات القمر‘ إلى نحو ثلاثين لغة في العالم . هي أحد سفرائنا إلى الأدب العالمي.