سيرة عُمان في مخطوطات المؤرخين والنسابة العرب

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٣١/أكتوبر/٢٠١٩ ١١:٣٧ ص
سيرة عُمان في مخطوطات المؤرخين والنسابة العرب

نصر البوسعيدي

«حينما ودع الوفد العماني النبي سليمان عليه السلام، وقبل أن يغادروا قصره أهداهم عددا من خيله وخيل النبي داود عليه السلام، ليعودوا من خلالها إلى عُمان وتصبح هذه السلالة أصل الخيول العربية الأصيلة»..

لم تخل أغلب المخطوطات القديمة للكثير من المؤرخين والنسابة العرب القدامى من ذكر عُمان والأحداث التي كانت تتعاقب بها..

عُمان كانت حاضرة في كل المشاهد السياسية التي كانت تحدث للأمة الإسلامية بالإضافة إلى أنها كانت مركزا تجاريا مهما منذ ما قبل الميلاد ومصدر رزق من هاجر إليها أو لجأ لها لظروف عديدة.

وهنا سأحاول أن أنقل لكم مختصرا بعض ما دونه العرب منذ القدم عن عُمان وأهلها من خلال الأحداث والتفاصيل التي أشاروا لها في مؤلفاتهم كابن الكلبي والواقدي، وابن هشام، وابن حبيب، والبلاذري.

ولتكن البداية مع المؤرخ المعروف ابن الكلبي وهو أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب والذي عاش في القرن الثاني للهجرة وكان من أشهر المؤرخين والنسابة في الكوفة بالعصر العباسي وله مؤلفات عديدة ومهمة، وقد أشار في كتابه [ أنساب الخيل ] حينما كتب عن أصل الخيول العربية والتي خرجت للعرب من عُمان وحكاية العمانيين مع النبي سليمان عليه السلام فقال:

«...إن أول ما انتشر في العرب من تلك الخيل، أن قوما من أهل عُمان قدموا على سليمان بن داود بعد تزويجه بلقيس ملكة سبأ، فسألوه عما يحتاجون إليه من أمر دينهم ودنياهم حتى قضوا من ذلك ما أرادوا وهموا بالانصراف، فقالوا: يا نبي الله إن بلدنا شاسع وقد أنفضنا من الزاد، فمر لنا بزاد يبلغنا بلادنا، فدفع إليهم سليمان فرسا من خيله ومن خيل داود، فقال: هذا زادكم فإذا نزلتم فاحملوا عليه رجلا وأعطوه مطردا (رمح قصير يستخدم للصيد)، وأوروا ناركم، فإنكم لن تجمعوا حطبكم وتوروا ناركم حتى يأتيكم بالصيد، فجعل القوم لا ينزلون منزلا إلا حملوا على فرسهم رجلا بيده مطرد واحتطبوا وأوروا نارهم، فلا يلبث أن يأتيهم بصيد من الظباء والحمر فيكون معهم منه ما يكفيهم ويشبعهم ويفضل إلى المنزل الآخر، فقال الأزديون: ما لفرسنا هذا اسم إلا زاد الراكب، فكان ذلك أول فرس انتشر في العرب من تلك الخيل».

أما بالنسبة للمؤرخ المعروف باسم (الواقدي) وهو محمد بن عمر بن واقد والذي ولد تقريبا في سنة 130ه، فقد ذكر في كتابه [ فتوحات الشام ] عن مشاركة العمانيين في المعارك التي خاضها المسلمون في الشام بزمن الخليفة عمر بن الخطاب، إذ كان العمانيون يشاركون في هذه الفتوحات تحت قيادة خالد بن الوليد وعمر بن العاص وأبي عبيدة بن الجراح، فكتب الواقدي: « حدثنا سهل بن عبدالله عن أويس بن الخطاب، أن الذي قدم مع الأمير أبي عبيدة من المسلمين كانوا من أهل الحجاز، واليمن، وحضرموت، وساحل عُمان، والطائف، وما حول مكة، وكانوا سبعة وثلاثين ألف فارس من الشجعان، وكان مع عمرو بن العاص تسعة آلاف فارس، والذين قدم بهم خالد بن الوليد رضي الله عنه من العراق ألف وخمسمائة فارس، وكان جملة ذلك سبعة وأربعين ألفا وخمسمائة غير ما جهزه عمر بن الخطاب في خلافته، وإن خالدا نزل بنصف المسلمين على الباب الشرقي، ونزل أبو عبيدة بالنصف الثاني على باب الجابية، فلما نظر أهل دمشق إلى ذلك، نزل الرعب في قلوبهم».

أما المؤرخ البصري المعروف (ابن هشام) واسمه محمد بن عبدالملك ابن هشام الحميري المتوفى تقريبا في عام 218ه، حينما تناول تاريخ الصراع الكبير الذي حدث بين نمرود بن كنعان أحد أحفاد النبي نوح وعدوه قحطان ومقتل نمرود وصلبه ببيت المقدس وهو أول قتيل يتم صلبه في التاريخ قال: «...وإن قحطان لما نزلوا على بني كنعان ببيت المقدس وخذلهم إخوانهم من بني حام ورحلوا عنهم القوط فنزلوا على النيل، أخذ نمرودا أسيرا فقتله وصلبه ببيت المقدس، وكان النمرود بن كنعان أول قتيل يصلب، ثم حج قحطان ورجع إلى اليمن ومات بمأرب وولى أمره ابنه يعرب بن قحطان، وكان ولي الملك من ولد قحطان لصلبه عشرة...وهم جرهم بن قحطان، وعاد بن قحطان، وناعم بن قحطان وحضرموت بن قحطان، وظالم بن قحطان، وغاشم بن قحطان، وأيمن بن قحطان و....، فولي جرهم بن قحطان أمر مكة فتملك من كان بها، وولى عاد بن قحطان أرض بابل، وولي حضرموت بن قحطان أمر الحبشة، وولي ناعم بن قحطان عُمان».

وكذلك أشار الحميري إلى عُمان حينما أشار إلى الملك (شمر يرعش) الذي كان من أعظم ملوك حمير وعاش تقريبا في القرن الرابع الميلادي وهاجم أرمينية وبلاد فارس والهند والصين ضد خصومه بنو يافث بن نوح وكيف أن أهل عُمان شاركوا مع ابنه صيفي في تلك المعارك، فقال الحميري في ذلك:

« وأقبل بنو يافث بأجمعهم يناصرون قباذ بن شهريار...، وبلغ ذلك شمر يرعش...فسار حتى نزل بالمشلل فخلف ابنه عمرا الأقرن بالمشلل في مائة ألف فارس، وخلف ابنه صيفا بعُمان في مائة ألف...، فسار قباذ بن شهريار حتى بلغ أرض العراق، وبلغ ذلك عمرا الأقرن ابن شمر يرعش تبع فلقيه بالمشلل فاقتتلوا أياما وبعث الأقرن إلى أخيه صيفي فأتاه من عُمان في مائة ألف...، فلما وصل صيفي إلى أخيه الأقرن هزم قباذ فهرب إلى القادسية فطلبوه، فهرب إلى القصر الأبي من جبال خرسان وتحصن في رؤوس الجبال...».

وكانت نهاية قباذ مثلما ذكر الحميري أن طلب من ابنه قتله وتسليم رأسه لشمر يرعش ليطلب منه الهدنة والاستسلام وحقن الدماء، فقبل الملك شمر ذلك وكان لهم ما أرادوا في تلك الهدنة.

وذكر الحميري عُمان كذلك حينما وصف سد مأرب ببعض المبالغات فقال:

« فمأرب متصل بجبال عُمان، والأبلق متصل بجبال لجة، وما فوق السد ستة أشهر وما تحته ستة أشهر يدركه نفع الماء، وكان يأتي إلى السد سبعون نهرا كبارا سوى ما كان يأتيه من السيول...، «

وفي أحداث انهيار سد مأرب وتفرق القبائل قال الحميري عن عُمان:

« ثم أجمع ثعلبة على المسير فقال لظريفة: أين ترين لبنيك المسير فقالت: يا ثعلبة من هذا المكان أحكم بالبيان امضوا الآن مسرعين ويتخلف منكم حيان، فمن كان منكم ذا هم بعيد ومراد جديد وحمل شديد فليأت كابر وليد وقصرعُمان المشيد، فسار من سار إلى عُمان من الأزد وكان الذين تحملوا إلى عُمان بنو نصر ابن الأزد هم أهل بيت عمرو بن الخليد بن البكير وسار بهم رئيسهم خيوان بن سالم بن ناهدة بن عمرو بن نصر بن الأزد فنزلوا عُمان والبحرين...»
وقال كذلك:

« فلما ورد مالك بن فهم عُمان تزوج امرأة من بني عبد القيس فولدت له غلمانا كثيرة، وكان أصغرهم سليمة».

وطبعا سليمة هو من قتل أباه مالك في عُمان بالخطأ حينما أراد والده أن يراقب يقظة ابنه في الحراسة ليلا واعتقد انه لص فرماه بسهم قاتل مثلما تشير المصادر التاريخية.

أما المؤرخ المعروف ب (ابن حبيب) صاحب كتاب المحبر واسمه محمد بن حبيب بن أمية الهاشمي البغدادي المتوفي تقريبا سنة 245ه فقد ذكر عُمان حينما أشار إلى أشهر أسواق العرب في التاريخ ومنها سوق صحار وسوق دبا اللذان يعكسان أهمية عُمان تجاريا واقتصاديا بشكل عام في التاريخ القديم فكتب:

«...سوق صحار بعُمان، كانت تقوم أول يوم من رجب فتقوم خمس ليال وكان يعشرهم فيها الجلندى بن المستكبر، ثم سوق دبا وهي إحدى فرضتي العرب، يأتيها تجار السند والهند والصين وأهل المشرق والمغرب، فيقوم سوقها آخر يوم من رجب، وكان بيعهم فيها المساومة، وكان الجلندى بن المستكبر يعشرهم فيها وفي سوق صحار».

كما ذكر ابن حبيب عُمان حينما تحدث عن القائد العباسي عيسى بن جعفر الذي غزا عُمان بأمر من الخليفة العباسي هارون الرشيد حينما كانت عُمان تحت حكم الإمام الوارث بن كعب الخروصي فقال:

« وصلب أهل عُمان عيسى بن جعفر بن سليمان بن علي، وكان الرشيد ولاه عُمان، فخرج باهل البصرة فجعلوا يفجرون بالنساء في طريقهم ويسلبونهم، فبلغ أهل عُمان ذلك فحاربوا عيسى ومنعوه من دخول بلادهم، فظفروا به فصلبوه، وامتنعوا على السلطان فلم يعطوه طاعة».

والجدير بالذكر أن ابن جعفر مثلما تشير المصادر التاريخية العمانية تم قتله في سجن قلعة صحار، وقد أكد الجاحظ بنفسه وهو من عاصر الخليفة هارون الرشيد مقتل عيسى بن جعفر في عُمان بمنجل بحراني.

وأسهب المؤرخ والنسابة المعروف (البلاذري) وهو أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري الذي كان يعمل مع بعض الخلفاء العباسيين في كتابه [أنساب الأشراف] عن سيرة سامة بن لؤي فقال:

« وأما سامة بن لؤي فإنه وكعب أخاه جلسا على الشراب، ففقأ سامة إحدى عيني كعب، وخرج هاربا فأتى عُمان، وقال بعضهم: إن سامة شرب مع أخيه كعب، فرأى قد قبل امرأته فأنف من ذلك فهرب إلى عُمان، فتزوج ناجية بنت جرم بن ربان بن حلون بن عمران بن الحاف بن قضاعة.

ويقال إن سامة ركب بعيرا في عُمان وأرخى رأسه فجعل يرعى، فوقع البعير على حشيشة تحتها أفعى فنهشته في مشفره فنفضها قوقعت على سامة فنهشته في ساقه فقتلته فقال الشاعر:

عين بكي لسامة بن لؤي * حملت حتفه إليه الناقة

وأشار البلاذري كذلك لأحد العمانيين الذي قتل رجلا يدعى قبيصة انتقاما لمقتل معين بن عبد المحاربي المعارض لحكم بني أمية فقال في ذلك:

«...فلما كانت ولاية بشير بن مروان وقف رجل من خوارج الكوفة من أهل عُمان على حلقة فيها قبيصة وهو في صدرها فقال: من هذاَ؟! فقالوا: هذا قاتل معين، فجلس على باب قبيصة حتى إذا خرج من منزله مشى معه ثم ضربه حتى قتله، فلم يعرف له أثر حتى خرج مع شبيب بن يزيد، فلما قدم الكوفة جعل ينادي: يا أعداء الله أنا قاتل قبيصة».

وأشار البلاذري كذلك للحجاج بن يوسف وهو يجافي العماني المهلب بن ابي صفره ويعايره بالمزوني نسبة إلى عُمان وكيف الجمه المهلب بالرد فكتب:

« استبطأ الحجاج المهلب، فكتب إليه: إنك مزوني وابن مزوني وللعجب منك حين تهاب قتال الأزارقة، كأنك ترى أن ترث الأرض وأيم الله لئن لم تناجزهم لأبعثن إليك من يحملك على مكروه أمرك والسلام.

فكتب المهلب إليه: أما بعد جاءني كتابك وإني لمزوني ابن مزوني ما أنكر ذلك، وإنما مزون عُمان سمتها العجم بذلك، ولكن الأمير أصلحه الله من قبيلة قد ادعت إلى حمير وعدة قبائل وما استقر قرارها بعد، كانوا بقية ثمود ثم انتموا إلى وحاظة من حمير، ثم إلى أياد، ثم إلى عدوان، ثم إلى قسي بن منبه.

فلما قرأ الحجاج الكتاب تبسم ثم قال: أفحشنا الرجل فافحش.

فكتب إليه الحجاج: إنك تشاغلت بالجباية عن الحرب!

فكتب المهلب إليه: إن من ضعف عن الجباية فهو عن القتال أضعف، ولو وليت غيري ممن سميت لرجوت أن يكونا للولاية أهلا في فضلهما وجرأتهما، وذكرت أني رجل في الأزد من أهل عُمان، وإن شرا من الأزد قبيلة تنازعتها ثلاث قبائل ثم لم يستقر لها بيت في واحدة منهن».

واختم بذلك هذه الأمثلة المبسطة في كتابات هؤلاء النسابة والمؤرخين القدامى عبر التاريخ، ومن يقرأ في سيرة عُمان بالتراث العربي سيجد الكثير من هذه المعلومات المهمة التي أوردها العديد منهم قبل مئات السنين بل قبل ألف سنة ويزيد.

المرجع:

1 - موسوعة عُمان في التراث العربي، في عيون المؤرخين والنسابة والجغرافيين والرحالة ج3، د.هلال الحجري، الطبعة الأولى -2018م، وزارة الإعلام، سلطنة عُمان، بيت الغشام للصحافة والنشر والإعلان – مسقط.

2 – الوكيبيديا بالنسبة للمعلومات المتعلقة ببعض الشخصيات المشار لها في المقال.