عُمان أرض تعاقبت عليها العديد من الحضارات القديمة منذ أكثر من 8 آلاف عام، وجميع الشواهد الأثرية تخبرنا بعظمة تاريخ هذه البلاد وأهلها.
وبسبب موقع عُمان الاستراتيجي في أقصى شبه الجزيرة العربية ونأيها عن العديد من الإشكاليات السياسية والحروب التي طرأت في شبه الجزيرة العربية، فقد كانت بالنسبة للكثير من فطاحلة العرب ومنذ عصر الجاهلية ملاذ آمن ومصدر رزق وكرم وإشارة للغربة والبعد والخ من صور تجلت في ذاكرة التراث العربي والأندلسي على السواء.
وهنا سأحاول جاهدا من اختصار الكثير لم قيل عن عُمان من خلال موسوعة عُمان في الأدب العربي للدكتور هلال الحجري والذي حوى على معلومات ثرية للغاية تعكس صورة عُمان لدى العرب منذ عصر الجاهلية، مع إعطاء نبذة مبسطة بقدر الإمكان عن الشخصية التي كتبت عن عُمان في مؤلفاتها أو قصائدها.
ولتكن البداية مع أحد أشهر شعراء الجاهلية وهو عمرو بن قميئة الذي كان يصاحب امرأ القيس وأبرز شعراء بكر بن وائل، فقد استعان بعُمان في شعره وهو ينتقد أصحابه وأهله وأقرب الناس إليه حينما خذلوه مذكرا إياهم بأن أهل عُمان رغم بعدهم هم الأقرب إلى قلبه فقال :
أولئك قومي آل سعد بن مالك * فمالوا على ضغنٍ علي وإلغافِ
أكنوا خطوبا قد بدت صفحاتها * وافئدة ليست علي بأريافِ
وكل أناس أقرب اليوم منهم * إلي وإن كانوا عُمان أولي الغافِ
وفي العهد الإسلامي نجد عُمان حاضرة بلسان اشراف العرب وشعرائهم وأدبائهم وعلمائهم، يتقدمهم خاتم الانبياء والرسل سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام والذي قال عن عُمان تكريما لأهلها حينما خاطب صحابته يوما مثلما يروى وهو يقول:
« إني لأعلم أرض يقال لها عُمان ينضح بجانبها البحر، الحجة منها أفضل من حجتين من غيرها».
وقال صلى الله عليه وسلم كذلك :
« لو أن أهل عُمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك»، إشارة لسلام العمانيين وتحضرهم ورغبتهم بكل ما هو خير وتعايشهم مع كل الغرباء وبالأخص اللاجئين إليها من بطش الظلم.
من ناحية أخرى نجد أن الصحابي الجليل أبي بكر الصديق ذكر عُمان وأهلها بكل خير أمام الوفد العماني المعزي في وفاة رسول الله عليه أفضل الصلاة والتسليم والذي ترأسه ملك عُمان عبد بن الجلندى ومعه أبو صفرة، وجعفر بن جشم العتكي وغيرهم.
كما أنه كان يردد اسم عُمان كرمز للبعد وهو يدعوا الناس للدخول إلى الإسلام قائلا :
هلموا إلى دين النبي محمد * ولو كان في أقصى جبال عُمان
أما شاعر الصعاليك في العصر الأموي قتال الكلابي الذي عاش مشردا طوال حياته في الجبال لجرائمه وجوره وقتله للعديد من الناس، فقد قال وهو يذكر عُمان :
حلفت بحج من عُمان تحللوا * ببئرين بالبطحاء مُلقى رِحالها
إن رمزية عُمان حسب المعنى كانت سمة في قصائد هؤلاء الفطاحل وكتاباتهم، فجرير بن عطية الكلبي مثلا وهو أشهر شعراء العرب في زمانه قال معاتبا جشع قومه في المآدب يذكر عُمان كرمز للبعد فيقول:
لو يسمعون بأكلة أو شربة * بعُمان أصبح جمعهم في عُمان
وقال أيضا في موضع وقصيدة أخرى:
في ليلتين إذا حدوت قصيدة * بلغت عُمان وطي الأجبال
وذكر الشاعر الأموي ابن الدمينة الأكلبي صاحب القصيدة المشهورة صبا نجد في شعره عُمان وجسدها برمزية البعد مناجيا محبوبته :
ولو أن أم العمر أمست مقيمة * بتثليث أو بالخط خط عُمان
تمنيت أن الله جامع بيننا * بما شاء في الدنيا فملتقيان
وفي الأندلس نجد قاضي غرناطه المؤرخ ابن شبرين المتوفي سنة 1346م، قد ذكر عُمان وهو يمتدح أحد الأمراء قائلا :
ذكره قد شاع في الأرض إلى أقصى عُمان ..
لا تراه الدهر إلا حلف سرج عنان ..
أما شاعر الأندلس أبو رجال بن غلبون أشهر أدباء مرسيه فقد استعار بعمان وهو يتغزل في تلك الشامية التي يحبها فيقول :
أستودع الله أو رضاه * شامية تستبي يماني
وإن رمت بي النوى عُمانا * تكن لي زاد إلى عُمان
كان العرب وبالأخص المعارضين والمطلوبين أو بعض من تورط بالدماء والحروب منذ عصر الجاهلية وحتى عصور الدولة الأموية والعباسية والعصر الحديث يلجئون إلى عُمان هربا من الموت ليجدوا لهم الملاذ الآمن بين أهلها خاصة إن وقع عليهم الظلم.
ولن ينسى التاريخ بأن قيس بن زهير العبسي أحد قادة حرب داحس والغبراء بين قبيلتي عبس وذبيان التي امتدت لـ 40 عاما بسبب الغش الذي حدث في السباق بين الفرسين داحس والغبراء، قد لجأ إلى عُمان بعد هزيمته في المعارك الأخيرة ومقتل عنتر بن شداد والكثير من أصحابه، فهرب متخفيا طلبا للعيش الآمن كملاذ أخير يلجأ له حتى وفاته فيها أو مقتله حيث ذكر سيرته أشهر مؤرخي العرب القدامى وهو ابن الأثير عز الدين أبي الحسن الجزري الموصلي الذي عاصر زمن صلاح الدين الأيوبي، فكتب :
« وقيل أن قيس بن زهير لم يسر مع عبس إلى ذبيان، وقال : لا تراني غطفانية أبدا وقد قتلت أخاها أو زوجها أو ولدها أو ابن عمها، ولكني سأتوب إلى ربي، فتنصر وساح في الأرض حتى انتهى إلى عُمان فترهب بها زمانا، فلقيه حوج بن مالك العبدي فعرفه وقتله وقال: لا رحمني الله إن رحمتك».
أما الشاعر العربي المعروف في زمن الدولة الأموية سوار بن المضرب السعدي الذي كان على خلاف شديد مع الحجاج بن يوسف الثقفي والي الأمويين في العراق قد هرب إلى عُمان من بطش الحجاج مجبرا وقلبه معلق بحبيبته سليمى ليكتب قصيدة رائعة وهو بين أهل عُمان آمنا على نفسه فيقول :
أُحب عُمان من حبي سليمى * وما طبي بحُب قرى عُمان
علاقة عاشق وهوى مُتاحا * فما أنا والهوى متدانيان
تذكر ما تذكر من سليمى * ولكن المزار بها نآني
فلا أنسى ليالي بالكلندى * فنينَ وكُل هذا العيش فانِ
ويوما بالمجازة يوم صدق * ويوما بين ضنك وصومحانِ
وهناك العديد من العرب الذين لجأوا إلى عُمان هربا من الدولة الأموية كالشاعر العماني كعب بن معدان الأشقري حفيد نسل ذرية مالك بن فهم، ويعد أشهر شعراء العرب في زمانه فقد قال الفرزدق عنه: شعراء الإسلام أربعة أنا وجرير والأخطل وكعب الأشقري، ولقد رافق هذا الشاعر في حياته القائد العماني المهلب بن أبي صفرة في حربه ضد الأزارقة، ولجأ فيما بعد إلى عُمان مثلما أسلفت بعدما شعر بأن حياته في خطر نتيجة خلافه مع بعض القادة الأمويين فقال :
وإني تاركٌ مروا ورائي * إلى الطبسين معتامٌ عُمانا
لآوي معقلا فيها وحِرزا * فكنا أهل ثروتها زمانا
في المقابل كان الكثير من العرب يعتبرون عُمان موطن الرزق والعيش الكريم، فهاجروا إليها طالبين الحياة الهانئة منذ عصر الجاهلية كالشاعر أعشى قيس (ميمون بن قيس بن جندل )الملقب بالأعشى لضعف نظره، وقد كان من أشهر شعراء الجاهلية، وعُرف بتردده بين ملوك العرب يسترزق من شعره ومديحه لهم، فوصل إلى عُمان وذهب إلى بلاط الملك الجلندى بن كركر حاكم البلاد فقال يخاطب ابنته وهو يؤرخ زياراته طلبا للرزق:
وقد طفت للمال آفاقه * عُمان فحمص فأورشليمِ
وقال أيضا وهو يشير إلى ملك عُمان :
وصحبنا من آل جفنة أملاكا * كراما بالشام ذات الرفيق
وبني المنذر الأشاهب بالحيرة * يمشون غدوة كالسيوف
وجلندى في عُمان مقيما * ثم قيسا في حضرموتَ المنيفِ
من ناحية أخرى لم يستثني الأدباء العرب في قصائدهم وكتاباتهم التغزل بكل شيئ جميل لديهم ومقارنته بجواهر عُمان التي كانت مشهورة جدا بين الشعوب على مر التاريخ، فنجد مثلا الجاحظ يكتب عن اللؤلؤ العماني في مؤلفاته ويمتدح جودته، وفي المقابل نجد الشاعر الدمشقي درويش محمد الطالوي أبو المعالي التركي الأصل المتوفي سنة 1605م، يقول :
قلدتها درر المدائح لؤلؤا * رطبا يكاد يفوق درر عُمانهِ
أما العالم والفقيه إسماعيل المكي، فقد أشار إلى جواهر عُمان في بعض قصائده كذلك على النحو التالي :
يَمّم اليمَّ ورِدْ ما تشتهي * و على الموردِ يا صاحِ الضمانْ
لم يكن في كل بحرٍ لؤلؤٌ * إنما اللؤلؤ في بحر عُمان
ويقول :
هو البحر تخرج منه اللآلئ * وكم لؤلؤٍ قد أتى من عُمان
وتغزل الشاعر اللبناني إلياس طعمة الذي هاجر إلى أمريكا اللاتينية ولقب نفسه بأبو الفضل الوليد المتوفي عام 1941م في قصائده بجواهر عُمان فقال:
فقالت ترى أي الجمان مفضل * فقلت جمانُ الثغر خير جمانِ
عرفت من الدر الثمين صنوفه * وما كنت غواصا في بحر عُمان
وفي جانب آخر لم يغفل الكثير من المؤرخين العرب من ذكر عُمان وأهلها في توثيقهم للكثير من الأحداث التاريخية التي كان فيها للعمانيين صولات وجولات، فنجد هنا أبو العباس محمد بن يزيد الملقب بالمبرد والمعاصر للدولة العباسية، يذكر في كتابه ( الكامل في اللغة والأدب ) سيرة القائد العماني المهلب بن أبي صفره وجيشه من العمانيين وحروبهم مع الخوارج بالتالي :
«... ثم أن رجلا من الخوارج حمل على رجل فطعنه، فحمل عليه المهلب فطعنه، فحمل الخوارج بأجمعهم كما صنعوا يوم سولاف فضعضعوا الناس وفُقد المهلب، وثبت المغيرة في جمع أكثرهم من أهل عُمان، ثم نجم المهلب في مائة فارس وقد انغمست كفاه في الدماء...».
كما يذكر المبرد في الكامل كذلك رسالة الحجاج بن يوسف الثقفي والذي كان يبغض بحسد مكانة المهلب، وقد وجه له رسالة شديدة اللهجة مهددا قائلا فيها:
« أما بعد فإنه بلغني أنك أقبلت جباية الخراج وتركت العدو، وإني وليتك وأنا أرى مكان عبدالله بن حكيم المجاشي وعباد بن حصين الحبطي، واخترتك وأنت من أهل عُمان، ثم رجل من الأزد، فالقهم وإلا أشرعت إليك صدر الرمح».
ونرى أبو الفرج الأصفهاني هذا الأديب العربي المشهور والذي نبغ في بغداد وأصبح من أهم رجال الدولة العباسية وهو يذكر عنبر عُمان المشهور بينهم حينما كتب:
«.... فجاء العباس يوما إلى الرشيد ببرنية فيها غالية، فوضعها بين يديه ثم قال: هذه يا أمير المؤمنين غالية صنعتها لك بيدي، اختير عنبرها من شحر عُمان ومسكها من مفاوز التبت وبانُها من ثغر تهامة».
ولقد ذكر الأصفهاني كذلك سيرة شاعر عربي يسمى كعب بن مشهور الذي مات غما حينما علم بأن محبوبته ميلاء قد فارقت الحياة بعدما كان يرجو لقاءها مرة أخرى بعد زمن ولقد قال في شعره والتي ذكر فيها عُمان برمزية البعد :
فلو أن أم العمرو أضحت مقيمة * بمصر وجثماني بشحر عُمان
إذا لرجوت الله يجمع شملنا * وإنا على ما كان ملتقيان
إن ما نراه أعلاه ليس إلا اختصارا شديدا جدا وبسيطا لمادة ضخمة جدا وثرية تجد فيها عُمان حاضرة وبكل قوة في التراث العربي، ومهما حاولنا من حصر كل ما يتعلق بعُمان سنجد بأن هناك الكثير لم يتم الكشف عنه، وهذه دعوة لنا جميعا للرجوع أكثر إلى أمهات المصادر التي تحوي على الكثير من التفاصيل التي تعكس للجميع رمزية عُمان ومكانتها وسيرة أهلها لدى العرب وأهل الأندلس.
المراجع :
-موسوعة عُمان في التراث العربي، في عيون الأدباء ج1، د.هلال الحجري، الطبعة الأولى، 2018م، وزارة الإعلام –سلطنة عُمان، بيت الغشام للصحافة والنشر والإعلان، سلطنة عُمان – مسقط.
-عُمان عبر التاريخ، سالم بن حمود بن شامس السيابي، الطبعة الخامسة – 2014م، وزارة التراث والثقافة – سلطنة عُمان.
-الوكيبيديا بالنسبة لسيرة بعض الشخصيات المشار إليها بالمقال.