x

تمويل المجر وبولندا

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٢٩/مايو/٢٠١٨ ٠٣:٥٧ ص
تمويل المجر وبولندا

سوافمير سييراكافسكي

تكتسب المناقشات المحيطة بميزانية الاتحاد الأوروبي للفترة 2021-2027 قدراً متزايداً من الحدة، بسبب إصرار العديد من صانعي السياسات الأوروبية على إنفاق أموال التنمية الإقليمية على الدول الأعضاء التي تلتزم بقواعد الاتحاد الأوروبي فقط. فبموجب معايير كوبنهاجن، يتعين على كل الدول الأعضاء أن تعمل على دعم مؤسسات الديمقراطية الليبرالية، وحكم القانون، وحماية الأقليات.

الواقع أن الاقتراح بإرفاق شروط جديدة لتمويل الاتحاد الأوروبي يستهدف الحكومات الشعبوية في بولندا والمجر. ولكن برغم أن هذه الحكومات أظهرت الازدراء لمؤسسات الاتحاد الأوروبي بكل تأكيد، في حين تجاهلت توصيات لجنة فينيسيا التابعة لمجلس أوروبا، فإنها أكثر ذكاء من أن تتحدى قواعد الاتحاد الأوروبي صراحة. بيد أن الأمر الأكثر إزعاجاً على الإطلاق هو أن بولندا والمجر هما على التوالي أكبر مستفيد ورابع أكبر مستفيد من أموال الاتحاد الأوروبي.

تضم المجموعة التي تدعو الاتحاد الأوروبي إلى «وقف تمويل الأنظمة غير الليبرالية» شخصيات أوروبية بارزة مثل جاي فيرهوفشتات، زعيم مجموعة تحالف الليبراليين والديمقراطيين من أجل أوروبا في البرلمان الأوروبي، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ولكن بين أولئك الذين يعارضون فرض شروط أكثر صرامة ليس فقط الأحزاب الحاكمة في بولندا والمجر، بل وأيضا الأحزاب المعارضة في هاتين الدولتين.
في كل من بولندا والمجر، عملت الأحزاب الحاكمة على تطويع المعارضة من خلال الابتزاز القومي. وأي انتقاد للحكومة البولندية أو المجرية يجري تصويره على أنه انتقاد موجه إلى بولندا أو المجر ذاتهما. وفي بولندا، تسبب الخوف من الوسم بتهمة غير الوطني في دفع الساسة المعارضين إلى التسليم بأن الدولة تنتمي إلى حزب القانون والعدالة الحاكم .
كما يزعم الساسة المعارضون أن تعليق تمويل الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يلحق الضرر بالمواطنين العاديين في المجر وبولندا، الذين لا ينبغي معاقبتهم على تصرفات حكوماتهم. وقد يكون هذا المنطق معقولا إذا كان الاتحاد الأوروبي يواجه حكومة منتخبة بشكل غير ديمقراطي، كتلك في كوريا الشمالية أو كوبا. السؤال إذن هو لماذا لا يواجه مواطنو المجر وبولندا العواقب المترتبة على اختياراتهم الانتخابية.
من المؤكد أن العديد من المواطنين، في أي ديمقراطية، في أي وقت بعينه، لم يصوتوا لصالح الحكومة. ولكن عندما عقدت اسكتلندا استفتاءها الفاشل بشأن الاستقلال في العام 2014، كان لزاما على أولئك الذين صوتوا لصالح الاستقلال أن يقبلوا حقيقة مفادها أن الإرادة الديمقراطية للمواطنين الاسكتلنديين في ذلك الوقت كانت البقاء جزءا من المملكة المتحدة. على نحو مماثل، اضطر أولئك الذين صوتوا في المملكة المتحدة لصالح «البقاء» في الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي في العام 2016 إلى قبول قرار الأغلبية بمغادرة الاتحاد الأوروبي.
ربما يلجأ أعضاء المعارضة الذين ينتقدون فكرة تعليق أموال الاتحاد الأوروبي الموجهة إلى الحكومات الشعبوية إلى استحضار حجج أخلاقية أمام عامة الناس، لكن ما يريدون حقاً هو الكفاءة. فهم يفترضون أن تعليق أموال الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يستدعي معارضة شعبية واسعة النطاق، وقد يفضي إلى تقوية وتعزيز حكم الشعبويين بدلاً من إضعافه. على نحو مماثل، لم تكن البيانات الأخلاقية التي جاءت على لسان فيرهوفشتات وماكرون غير أنانية بالكامل. ذلك أن الساسة والصحافيين كثيراً ما يخطئون قراءة هذا الموقف وكأنه يدور ببساطة «حول بولندا» أو «حول المجر»، في حين يشكل انتقاد هذه الدول في حقيقة الأمر جزءا من صورة أكبر. فكل من مجموعة تحالف الليبراليين والديمقراطيين من أجل أوروبا ومجموعة حزب الشعب الأوروبي (من الديمقراطيين المسيحيين) من المتوقع أن تعاني من خسائر شديدة، من جراء الخروج البريطاني والانهيار الأكبر للتيار السياسي الرئيسي في فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا.أما عن بولندا، فقد ساق ماكرون دائما حججا أخلاقية مختلطة بالمصالح الاقتصادية الفرنسية. ففي إحدى محطات جولته الانتخابية في مصنع ويرلبول الذي كان من المقرر أن ينتقل إلى بولندا، وعد ماكرون باتخاذ موقف أكثر تشددا ضد حكومة حزب القانون والعدالة بسبب سياساتها المالية. وبمجرد أن تولى منصبه، دفع بإصلاح على مستوى الاتحاد الأوروبي للحد من الفترة التي يقضيها العمال المغتربون، وكثيرون منهم في فرنسا، وأغلبهم قادمون من بولندا.
إذا جرى بالفعل تطبيق مبدأ الحصول على «التمويل من الاتحاد الأوروبي في مقابل حكم القانون»، فقد لا يتحمل التكاليف حتى كاتشينسكي أو أوربان، بل قد تتحملها الحكومتان التاليتان في بولندا والمجر. ويصدق هذا بشكل خاص في بولندا: فبرغم أن حزب القانون والعدالة لا يزال على قمة الاستطلاعات، فقد يتمكن ائتلاف من أحزاب المعارضة غير الشعبوية أن يتغلب عليه.

مؤسِّس حركة «كريتيكا بوليتيكانا»، ومدير معهد الدراسات المتقدمة في وارسو، وزميل

أكاديمية روبرت بوش في برلين.