x

الجيل الكارتوني..

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٢٩/مايو/٢٠١٨ ٠٣:٤٦ ص
الجيل الكارتوني..

د. لميس ضيف

يُروى أن شيخاً أوكل لأبنه الصغير مهمة صب القهوة للضيوف، فانسكبت القهوة منه على السجاد فلم يرمق ابنه بشرر بل قال:

«وللأرض من قهوة الكرام نصيبُ»
فلم يُعنّفه بل احتوى حرجه بكل سعة بال..
في تلك الحقب، كان الأبناء يُربون بلا نصائح ومواعظ وتوجيهات. كانت الابنة لصيقة بأمها تتعلّم منها الواجبات الاجتماعية والأسرية. وكان الولد، وقبل أن يشب عن الطوق، يجلس مجالس الرجال ويتعلّم من والده -بالمراقبة- العادات والقيم والصواب والخطأ.
حتى جيلنا الذي لم يكن له من الحقب الذهبية نصيب، كان ينعم لحد كبير بفرصة مشاركة ذويه ليومياتهم، ومجالسة الكبار في عمر مبكر، ما طوّر قاموسه اللغوي، ومهاراته الاجتماعية، وزاد -لحد كبير- من ثقة المرء منا بنفسه.
أما جيل «البسكوت» الذي نراه اليوم، فيتعلّم من الآيباد، ولا يذهب للأفراح ولا لمجالس العزاء، وحتى عندما تجتمع العائلة ينعزل الأطفال وحدهم تقنينا للضجيج. ولأن ساعات المدرسة طويلة والواجبات المدرسية الرتيبة أطول، ولأن طاحونة الحياة هشمت العلاقات الأسرية، أصبحت مساحة العلاقة بين الأب والابن هامشية، وتكون لدى الأجيال الجديدة عادات جديدة لا تُشبهنا ولا نشبهها في شيء.
جزء أصيل من المشكلة يكمن في العائلات؛ فهي من جهة تفرط في حماية أطفالها، ومن جهة أخرى تعوّض عن تقصيرها في الرعاية بالتدليل. ويعتبر الكثيرون أن الرقي يفرض عليهم عزل الأطفال عن المناسبات الاجتماعية منعا للحرج، والنتيجة شخصيات كارتونية هشة، تعرف الحياة من خلال شاشة صغيرة، وتعيش الحياة بشكل افتراضي، وتعرف الكثير من المعلومات ولكنها لا تملك الكثير من المهارات.
بعضهم يتنمّر كردة فعل ويتضخم حتى على قرارات والديه، وبعضهم ينطوي ويؤثر العزلة. وأيا كان فالذنب ليس ذنبهم، لا ذنب من تمرد ولا من نما ضعيفا. فهؤلاء هم صنيع قاعدة «لا تصطحبوا أطفالكم معكم» و«نوماً هنيئا لصغاركم». فعوضا عن أن تسيطر الأم على شقاوة أطفالها وتعلمهم احترام المجالس التي هم فيها، تؤثر تركهم مع مربية أو عاملة والتخلص من هذا العبء.

إننا مطالبون بإعادة حساباتنا.. بالتفكير مليا في ما نفعله وفي المخرجات التي ستنجم عن تصرفاتنا هذه. فليس هذا هو ما نريده للأجيال القادمة التي يجب أن تتفوق علينا لأن هذا هو ما يفرضه سلم التطوّر لا أن تكون أكثر تشوشا وهشاشة مما نحن عليه.