هبة الصين

مقالات رأي و تحليلات الخميس ١٧/مايو/٢٠١٨ ٠٧:١١ ص
هبة الصين

كِنت هارنجتون

ذات يوم، قال أحد الخبراء المخضرمين في عالَم الأعمال إن كل الإدارة السيئة تُدَرَّس أكاديميا باعتبارها مثالا. والآن يقوم دونالد ترامب بتدريس درجة الماجستير في كيفية عدم الخدمة كرئيس تنفيذي لأمريكا. فبتخليه عن عملية صنع السياسات المدروسة المتروية، التي انتهجها من سبقه من الرؤساء، لصالح رئاسة تتخذ من تلفزيون الواقع نموذجا لها، فشل ترامب في التعبير عن أي شيء يشبه استراتيجية وطنية جديرة بالثقة.

وبدلا من ذلك، وجه ترامب خلال الأشهر الستة عشر التي قضاها في منصبه ضربة للنفوذ الأمريكي، وعلى الأخص في آسيا. وفي الدول المطلة على المحيط الهادئ، تسببت نزعة ترامب الاقتصادية القومية المضللة ــ والتي تجسدت في العقوبات الجديدة، والتعريفات الجمركية، والصفقات التجارية المحبَطة ــ في إضعاف مكانة الولايات المتحدة، ووفرت فرصا جديدة لخصوم أمريكا. وتُعَد الحرب التي يهدد ترامب بشنها ضد الصين مثالا واضحا على ذلك.

من المؤكد أن الممارسات الاقتصادية الصينية الجشعة لابد من التصدي لها. فبتراجعه عن وعود الإصلاح والمزيد من انفتاح السوق، يعزز الرئيس شي جين بينج القطاع الحكومي في مواجهة المنافسة الأجنبية في حين يتجاهل سرقة الملكية الفكرية. لكن مواجهة الصين تتطلب الاستعانة بحلفاء؛ ومن الواضح أن النهج الذي يتبناه ترامب من شأنه أن يزيد من عزلة الولايات المتحدة.
حتى الفحص الظاهري السريع للروابط الاقتصادية بين الصين وحلفاء أمريكا في آسيا كفيل بتوضيح مدى عدم فعالية هجمات ترامب على التجارة الحرة. فالصين هي القلب الاقتصادي في جنوب شرق آسيا، وقد مثلت نحو 21% من صادرات المنطقة في العام 2015. والصين أيضا أكبر مستورد في المنطقة، ويشمل قسم كبير من التجارة من الدول المجاورة الإلكترونيات والآلات، وهو ما يؤكد على دور الصين بوصفها «مركز المعالجة» في آسيا.
ولنقارن هذه الأرقام بتجارة جنوب شرق آسيا مع الولايات المتحدة، وأوروبا، واليابان: في عام 2015، مثلت الواردات من هذه الاقتصادات أكثر من 25% من إجمالي المنطقة ــ وهذا أعلى قليلا من حصة الصين. وفي أماكن أخرى في المنطقة، تذهب 25% من صادرات كوريا الجنوبية إلى الصين. وبالنسبة لأستراليا، التي تعتبر الصين الشريك التجاري الأكثر أهمية، تبلغ الحصة 28%، مقارنة بنحو 7% فقط للولايات المتحدة، ثالث أكبر سوق لصادرات أستراليا.
والنتائج السياسية الضمنية لهذه الأرقام واضحة: فالصين هي صانع الألعاب في آسيا، أما الولايات المتحدة فتجلس على مقاعد الاحتياط. والواقع أن سبع من الدول الإحدى عشرة التي وقعت على اتفاقية الشراكة عبر المخيط الهادئ ــ وهي مبادرة عهد أوباما لتوسيع التجارة مع آسيا والتي رفضها ترامب خلال أول شهر له في الرئاسة ــ تشارك الآن في الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، وهي الاتفاقية التجارية الصينية المنافسة. وتضم هذه الشراكة كل الدول الأعضاء العشر في رابطة دول جنوب شرق آسيا، إلى جانب أستراليا، ونيوزيلندا، وكوريا الجنوبية، واليابان، والهند، التي أبرمت اتفاقيات تجارة حرة مع رابطة دول جنوب شرق آسيا.
تُعَد أستراليا مثالا جيدا لحليفة من حلفاء الولايات المتحدة والتي يتقاسم قادتها مع أمريكا مخاوفها بشأن قوة الصين الصاعدة ولكنهم يدركون أيضا الحتمية الاقتصادية للإبقاء على علاقات طيبة مع الصين. تمثل الصادرات من الموارد الطبيعية، مثل الحديد والفحم، ما يقرب من 20% من الناتج المحلي الإجمالي الأسترالي وتهيمن على علاقاتها الاقتصادية مع الصين. ويشعر الأستراليون بالقلق من تحولهم إلى خسائر جانبية في نزاع ترامب التجاري الثنائي.
الواقع أن العواقب المترتبة على استراتيجية ترامب التجارية لا تقتصر على آسيا. ففي أمريكا اللاتينية، لا يضر ترامب بقدرة أمريكا التنافسية فحسب؛ بل ويساعد أيضا الشركات الصينية على ترسيخ أقدامها هناك. وفي حين تظل الولايات المتحدة الشريك التجاري الرائد في المنطقة، فإن توجهها المتزايد نحو تدابير الحماية يسمح للصين بالاستفادة من قوتها الاقتصادي لتوسيع وجودها وبسط نفوذها. والآن تحتل الصين مرتبة متقدمة بين أكبر خمسة أسواق للصادرات الموجهة إلى 12 من دول أمريكا اللاتينية العشرين، وهي أكبر عميل للمواد الخام في المنطقة. وتأتي أمريكا اللاتينية في المرتبة الثانية فقط بعد آسيا في ما يتصل بالاستثمارات الصينية. وخلال السنوات العشر الأخيرة، خصصت الصين قروضا بقيمة 140 بليون دولار للمنطقة، كما تعهد شي جين بينج باستثمارات مباشرة بقيمة 250 بليون دولار بحلول العام 2019.
ويبدو أن ترامب غافل عن حقيقة مفادها أن سياسات الحماية التي ينتهجها لم تسفر إلا عن تسهيل عمل الصين. فعندما يهدد ترامب بإعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية «إلى الأبد»، وخفض المساعدات الخارجية، وإقامة جدران على الحدود، يظهر نظيره كبطل عالمي للتجارة الحرة والتعاون المتعدد الأطراف. فقد زار شي جين بينج أمريكا اللاتينية ثلاث مرات منذ العام 2014، وفي يناير، أعلنت الصين أن أمريكا اللاتينية ستنضم إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية الضخمة. والرسالة إلى المنطقة واضحة: الصين هنا، وهي تعتزم البقاء.
أيا كان ما يتوقعه ترامب من تهديداته التجارية، فلا ينبغي لنا أن نستهين بتأثيرها على النفوذ الأمريكي في مختلف الدول المطلة على المحيط الهادئ ــ وخارج المنطقة. ورغم التحديات الكبرى التي يواجهها النظام الاستبدادي في الصين في ترجمة قوتها الاقتصادية إلى قوة ناعمة، فإن قادتها يستفيدون بوضوح من خلال الدعوة إلى تجارة عالمية مفتوحة.
بذل رؤساء الولايات المتحدة السابقون قصارى جهدهم لصياغة نهج اقتصادي واستراتيجي متكامل في إدارة علاقات أمريكا مع آسيا. وفي المقابل، يؤلب ترامب الولايات المتحدة على حلفائها الآسيويين، ولن يكون إغلاق هذا الصدع بالمهمة السهلة. ومن عجيب المفارقات هنا أنه عندما يحين وقت إصلاح الضرر، فإن تعهد حملة ترامب ــ «أمريكا أولا» ــ سيشير إلى المكان الذي يتعين على قادة أمريكا أن ينطلقوا منه.

كبير محللين ومدير الشؤون العامة في وكالة الاستخبارات المركزية سابقا، وخدم كضابط استخبارات وطني لمنطقة شرق آسيا، وكان رئيس محطة في آسيا.