قصر النظر الديمقراطي

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٣/مايو/٢٠١٨ ٠٥:٥٦ ص
قصر النظر الديمقراطي

دامبيسا مويو

على الرغم من المؤشرات الإيجابية فإن الاقتصاد العالمي يبقى معرض للإخطار ونظراً لأن كل تلك المخاطر تقريباً تنبع من تحديات هيكيلية فإن التخفيف منها سيتطلب تفكير طويل الأمد من قبل القادة وللأسف لا يوجد الكثير من ذلك هذه الأيام وخاصة في ديمقراطيات العالم.

إن المشكلة تكمن في انعدام الربط بين الدورات السياسية والاقتصادية فالدورة الاقتصادية العادية تستغرق من 5-7 سنوات ولكن طبقا لمعهد ماكنزي العالمي فإن معدل فترة حكم القائد السياسي لدول مجموعة العشرين قد انخفض ليصل الى مستوى قياسي منخفض وهو 3،7 سنوات (مقارنة بفترة ست سنوات سنة 1946) علما أنه بسبب التركيز على الفوز بالانتخابات المقبلة، عادة ما يطبق السياسيون سياسات ستأتي بفوائد قصيرة المدى وحتى على حساب النمو أو الاستقرار طويل المدى.

إن هذه المقايضة تتمثل بالعجز المالي المتزايد ففي الولايات المتحدة الأمريكية وطبقاً لمكتب الموازنة التابع للكونجرس فإن عجز الموازنة هو في الطريق ليتضاعف ثلاث مرات خلال الثلاثين سنة المقبلة وذلك من 2.9% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2017 الى 9.8 % سنة 2047 وذلك بسبب تأثيرات التخفيضات الضريبية وغيرها من إجراءات خرق الميزانية والتي تم تنفيذها من أجل كسب الناخبين (أو بنفس القدر من الأهمية استرضاء المتبرعين). إن هذا يحد من قدرة الحكومة على عمل استثمارات طويلة المدى في مجالات مثل التعليم والبنية الأساسية.
ونظراً لأن السياسيين عادة ما تتم مكافآتهم من الناحية العملية على التفكير قصير النظر فإن الديمقراطيات الغربية تجد نفسها تعاني من اجل تأمين نمو مستقر طويل المدى بطريقة لا تعاني منها بلدان أخرى مثل الصين السلطوية وهناك على الأقل طريقتان للتعامل مع هذه المشكلة في سياق ديمقراطي.
أولا، يمكن أن يتم ربط الحكومات بشكل أكثر حزماً بقرارات الحكومات التي سبقتها فيما يتعلق بالسياسات وبهذه الطريقة فإنه سيكون هناك وقت وقت كافي من أجل أن تدخل التشريعات طويلة المدى والتي تمت مناقشتها وسنها حيز التنفيذ وبدون خطر إلغائها وبكل بساطة من قبل إدارة لاحقه.
إن الاتحاد الأوروبي يقدم مثالاً على كيف يمكن للالتزامات الملزمة طويلة المدى أن تعمل. إن معاهدة ماسترخت لسنة 1992 ألزمت الحكومات الأوروبية بوضع سقف أعلى للدين العام ليصل إلى 60% من الناتج المحلي الإجمالي وعجز سنوي في الميزانية يصل الى 3% من الناتج المحلي الإجمالي ومنذ ذلك الوقت قامت الحكومات وبشكل تدريجي بجعل بلدانها تلتزم بهذا المقياس.
ولكن وكما تظهر تجربة الاتحاد الأوروبي كذلك فإن مثل هذه الالتزامات الملزمة لم يتم التعامل معها دوما على أنها منيعة وخاصة خلال أوقات الضغوط الاقتصادية وفي أعقاب الأزمة المالية لسنة 2008، اتضح أن بلدان مثل اليونان وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال قد أخلت بالتزاماتها بموجب ماسترخت.
مهما يكن من أمر فإن عمل التزامات للحكومات تمتد لما هو أبعد من الدورات الانتخابية يمكن أن يضع الأجندات التشريعية ضمن منظور طويل المدى مما يخفض من تغير السياسات الحزبية علما أن مثل هذه المقاربة كانت ستكون مفيدة للتشريع الأهم بالنسبة للرئيس الأمريكي باراك أوباما وهو قانون الرعاية بأسعار معقولة. إن التحقق من أن قانون الرعاية بأسعار معقولة سيبقى لفترة ثابتة على اقل تقدير عوضا عن تركة معرضا للإلغاء الفوري من قبل إدارة دونالد ترامب كان يمكن أن يؤدي لتغيير أساسي اكبر لنظام الرعاية الصحية الأمريكي المعيب بما في ذلك من خلال تحسينات لاوباماكير نفسة.
إن من الطرق الأخرى لتشجيع التفكير طويل المدى بين صناع السياسات هي تمديد فترة وجودهم في مناصبهم لتصبح ست سنوات – أي طيلة الدورات الاقتصادية تقريباً وعوضاً عن التركيز طيلة فترات وجودهم في المنصب على حملات من أجل إعادة الانتخاب، سيكون لدى صناع السياسات الوقت والمساحة السياسية للنظر في الأطياف المختلفة للتحديات الهيكلية المعقدة وصياغة سياسات تعزز من النمو الاقتصادي المحتمل.
في بعض البلدان فإن القادة السياسيين عادة ما يحكمون لفترات أطول ففي البرازيل على سبيل المثال يتم انتخاب أعضاء مجلس الشيوخ الفيدراليين لمدة ثماني سنوات وفي المكسيك والفلبين تمتد كل فترة رئاسية لمدة ست سنوات وعلى النقيض من ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية فإن أعضاء مجلس النواب الأمريكي يواجهون انتخابات كل عامين مما يجبر حتى الرئيس وأعضاء مجلس الشيوخ –والذين يقضون فترات تمتد لأربع وست سنوات على التوالي- على العمل الى حد ما على أساس افق يمتد لعامين.
بالطبع فإن الفترات الانتخابية الأطول تنطوي على مخاطر حيث إنها يمكن أن تمكن قادة لا يتمتعون بالكفاءة ويثيرون المشاكل من البقاء في السلطة لفترة أطول ولهذا السبب يجب أن يتم السعي للتغيير بشكل يتوافق مع إصلاح آخر: تغيير متطلبات الأهلية لصناع السياسة المحتملين مع النظر في تأمين وصول قادة يتمتعون بالخبرة ليس فقط في الترشح للمناصب فحسب بل ايضا في التعامل مع التحديات العالمية الحقيقية.
لقد لاحظ فيليب كاولي من جامعة نوتنغهام في مقال في سنة 2012 انه في اواخر سنة 2010 كان قادة الاحزاب السياسية البريطانية الرئيسية يتمتعون بخبرة اقل من اي قادة اخرين في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية كما كشفت دراسة أجرتها مكتبة مجلس العموم البريطاني سنة 2012 انه من سنة 1983 الى سنة 2010 فإن عدد السياسيين الذين يعتبرون السياسة كمهنة لهم قد زاد في البرلمان بنسبة تزيد عن أربعة أضعاف وذلك من 20 الى 90.
إن زيادة السياسيين الذين يعتبرون السياسة كمهنة لهم قد تزامنت مع سخرية متزايدة تتعلق بفعالية السياسيين المنتخبين وفي واقع الأمر فإنه طبقا لمسح المنتدى الاقتصادي الدولي فإن المواطنين في الدول الديمقراطية يثقون بقادتهم اقل من قادة في اماكن أخرى كما وجد بحث بيو لسنة 2015 ان اكثر من 80% من المواطنين الأمريكيين لا يثقون بالحكومة الفيدرالية لعمل ما هو صحيح بشكل ثابت. إن مثل تلك الشكوك ربما ساهمت في انتصار القادم الجديد دونالد ترامب على هيلاري كلنتون في انتخابات الرئاسة الأمريكية لسنة 2016.
على أي حال فإن المخاطر الاقتصادية الحالية لن تختفي علما انه يمكن التخفيف منها فقط بنوعية الإصلاحات التي يجب أن تشكل جزءا من أجندة سياسات على المدى الطويل وبالنسبة لصياغة مثل تلك الأجندات فإنه يبدو أن الديمقراطيات ستكون في وضع غير موات ولكن هذا ليس قدرا محتوما ويمكن أن يتغير.

خبيرة اقتصادية وكاتبة، وهي تشارك في عضوية مجالس إدارات عدد من الشركات العالمية.