
علي ناجي الرعوي
حاول مارتن غريفيث في أول إحاطة له أمام مجلس الأمن الدولي قبل أمس الثلاثاء أن يبعث برسالة إيجابية حول الخطوات الأولى التي قام بها كمبعوث خاص للأمم المتحدة إلى اليمن فقال: إن السلام في هذا البلد مازال ممكنا وأن طرفي النزاع مرحبان بالعودة الى طاولة المفاوضات التي سيعد لها إطارا عاما خلال شهرين معتبراً هذه المؤشرات كافية ويمكن البناء عليها لتعزيز الثقة ووقف التصعيد والسير في طريق التهدئة وبدء الحوار بين أطراف النزاع من اجل التوصل إلى تسوية سياسية قادمة.
قد تكون هذه الرسالة إيجابية جداً من زاوية أنها تبعث على الارتياح والتفاؤل غير أن ما هو أهم من هذه الرسالة وما حملته من الأمنيات يتمثل في التحول الذي شهدناه خلال جلسة مجلس الأمن الأخيرة في مواقف الدول الكبرى من استمرار الحرب في اليمن فرغم انزعاج هذه الدول من إطلاق الصواريخ على الأراضي السعودية فقد بدت مقتنعة من أن لعبة الموت الذي ضاقت بها الأرض اليمنية بما رحبت قد أدت الغرض المطلوب منها وصار لزاما إغلاق هذا الملف وطي صفحة الحرب الدائرة منذ أكثر من ثلاث سنوات قبل جموحها خارج اللجام وذلك انطلاقاً من اعطاء المبعوث الأممي مارتن غريفيث التفويض الكافي للضغط على كافة الأطراف ودفعها إلى العودة إلى طاولة المفاوضات والقبول بالحلول الوسط التي ستعرض عليها وتجرع الدواء الذي سيقدم لها حتى ولو كان مراً.
أدرك أن مثل هذا الكلام ربما يكون صادما للبعض خصوصا وأن هناك كثيرون يحملون المجتمع الدولي ومجلس الأمن والأمم المتحدة كامل المسؤولية عن جميع الكوارث والمآسي والفوضى الدامية وغير المسبوقة التي أحاقت باليمن وأهله خلال سنوات الحرب وأن من بين هؤلاء من قد يتساءل بحرقة: كيف يصدق اليمنيون واليمنيات بعد كل ما دفعوه من دمائهم وأرواحهم وضيق عيشهم أن المجتمع الدولي أصبح الآن حريص على إحلال السلام وإيقاف الحرب في بلادهم مع أن كل ما جرى ويجري اليوم هو بدعم ظاهر وباطن من هذا المجتمع الدولي الذي ظل يتعامل مع الحرب في اليمن كوسيلة لابتزاز الخليج.
وبقطع النظر عن كل ما يطرح من المأخذ على مواقف المجتمع الدولي والأمم المتحدة فلا بد من الاعتراف والإقرار هنا من أن المجتمع الدولي وأن كان قد تعامل مع الأزمة اليمنية من منظور مصلحي بحت ومن نافذة لعب فيها الاقتصاد السياسي دوراً فاعلاً في رسم المواقف فإن الإطراف المتصارعة محليا على اختلاف أهدافها وتوجهاتها ساهمت هي الأخرى عبر خلافاتها وتقاطعاتها في إطالة أمد الحرب وتفتيت النسيج الاجتماعي وتعاظم معاناة اليمنيين إذ إن عدم اتفاقها على إدارة خلافاتها بشكل عقلاني وتحت سقف المصلحة الوطنية لم يكن له سوى معنى واحد وهو الإصرار على استمرار الحرب وتدمير ما تبقى من مقومات الحياة في اليمن.
لست ملما أو على اطلاع بما تضمره قوى الصراع المحلية من نوايا وما تستبطنه من المواقف حيال ما يتصل بالتسوية السياسية المقترحة من المجتمع الدولي لإنهاء الصراع في اليمن لكن ما هو في حكم المؤكد أن لكل طرف من أطراف هذا الصراع رؤيته للتسوية فجماعة أنصار الله ومن يقف إلى جانبها على سبيل المثال لا يمكن لها أن تقبل بتسليم أسلحتها الثقيلة والخروج من العاصمة إلا بعد تحقيق شروطها التي تتركز في تشكيل حكومة وحدة وطنية تكون شريكا فيها تقوم بتسلم السلاح وتأمين العاصمة والمدن الأخرى عوضاً عن دعوتها إلى إنهاء أي دور مستقبلي للرئيس هادي.. وفي المقابل يتمسك الرئيس وحكومته (الشرعية) بما صار يعرف بالمرجعيات الثلاث (مخرجات الحوار الوطني – والمبادرة الخليجية – وقرار مجلس الأمن 2216 الذي أجاز الحرب بهدف إعادته إلى الحكم) وبين هذين الموقفين وعدم استعداد أي مكون لتقديم التنازلات لصالح الآخر ترسم الحرب خارطة على الأرض حتى يقدر الله لطرف من أطرافها أن يحسمها لصالحه ويتغلب على الطرف الآخر أو الأطراف الأخرى سيما وقد صارت هذه الأطراف تتوالد مع كل يوم من أيام الحرب المستمرة في تدمير اليمن وتمزيقه.
ما يجعل تلك التعقيدات على سطحيتها جديرة بالنظر إليها ولو باهتمام ضئيل أنها لا تخالف المالات التي انتهت إليها جولات المفاوضات السابقة في سويسرا والكويت ومع ذلك فما سمعناه في جلسة مجلس الأمن الأخيرة وكذا ما تحدث عنه المبعوث الأممي مارتن غريفيث يكشف ملامح تحرك دولي لإنهاء الحرب وإقناع الأطراف بالقبول بالحل السياسي بعد تعثر الحسم العسكري الذي أصبح يراوح مكانه دون إحراز أي تقدم ومن الممكن أن تصنع هذه التحركات الدولية اختراقا في الحالة اليمنية إذا ما كانت هناك ضغوطاً قوية وجادة على جميع الأطراف والتي لا شك وأنها من تبدو اليوم في حال ضعف اكثر من أي وقت مضى بسبب ما تعانيه من الاستنزاف وما ينالها من السخط الشعبي جراء تدهور الأوضاع المعيشية وتفاقمها والتي قد توصل الجميع الى مازق في لحظة تنعدم فيها خيارات المناورة والذرائع.
إذا ما اقتنعت الأطراف الدولية الفاعلة بصدق من أن الحرب في اليمن قد فشلت في جميع تجلياتها فإن الأطراف المتورطة فيها ستتجه إلى التفكير في إيجاد الحلول من خلال المفاوضات وأنها ستجد في النهاية أن الحوار أسهل بكثير من تأجيج نار الاقتتال الدموي وأن الحرب لا يمكن أن تحسم في اليمن مهما طال أمدها وتوسعت كوارثها إلا عن طريق الحوار والتفاوض والتفاهم وسيتذكر الجميع ذلك الصراع المدمر الذي تفجر في أعقاب قيام النظام الجمهوري العام 1962 بين الملكيين المدعومين من السعودية والجمهوريين المدعومين من مصر فقد ظل ذلك الصراع ملتهبا حتى العام 1970 ولم يحسم إلا عندما عادت الحكمة وجرى التفاهم بين مصر والسعودية على ترك اليمنيين يصنعون الحل بأنفسهم عندها صمتت المدافع وحل السلام في ربوع اليمن. ومن الواقعية هنا أن يتعظ الجميع من دروس الماضي وتجاربه و يتعلم من أخطائه عند البحث عن النجاة أو الرغبة في الوصول إلى الحل.
كاتب يمني