«فلوس في.. احترام مافي، شنو هزا فايدة»

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١١/أبريل/٢٠١٨ ٠٤:١٢ ص
«فلوس في.. احترام مافي، شنو هزا فايدة»

د. لميس ضيف
lameesdhaif@gmail.com

يقول مُحدثي:

كنت في زيارة رسمية لإحدى وزارات الدولة مع وفد متواضع، وكان أكبرنا منصبا وكيل وزارة مساعد قصدنا السلطنة بهدف تبادل الخــــبرات والتجارب. فوجئنا باستقبال وزير تلك الجهة- شخصيا- لنا وكثير منا لا يستطيع مقابلة الوزير الذي يتبع لوزارته إلا بشق الأنفس واحتفى بنا وملأنا زهوا بأنفسنا.
وحدث في حضرتنا موقف لا زلنا نذكره في جلساتنا ومع سُمارنا. إذ دخل علينا رجل مهيب الطلة؛ بالزي العماني الأصيل والمصّر الأنيق فاستقام الوزير في جلسته ووقف يستقبله بحفاوة ويسأله عن حاله ويزجل له في الترحاب. فانتصبنا جميعا واصطففنا للترحاب به وتحيته وخفضنا له جناح الذل أيضا ونحن نعرفه بأنفسنا فردا فردا، إذ حدسنا أنه مسؤول رفيع بالدولة. أو سليل العائلة الحاكمة العريقة وإلا لما نال هذا الترحاب الودود من الوزير. جلس الوزير وخاطب الرجل بدعة طالبا منه أن يأتي بالقهوة الخاصة به لنا وأن يأتي بالحلوى العمانية وببعض من التمر الذي التفت لنا وهو يقول: «هذا التمر من محصول مزرعتي الخاصة». كان هذا الرجل «فراش» كما نسميه في لهجتنا ويسميه العمانيون مراسلا على ما يبدو!!
كتم بعضهم الضحكة، كما يقول، فيما كتم البعض الآخر الغيض. ومن يلومهم؟
فتلك أخلاق لا يرون مثلها كثيرا لا في الحلّ ولا في الترحال. فأصغر مسؤول في الدولة، وإن كان مؤتمرا على خمسة أشخاص، يتضخم حتى على صحبه وأهله. أما من يوزر في كثير من الدول فيتحول في يوم تعيينه لفرعون صغير وفيلسوف كبير: يأمر ليُطاع ويفتي فتصيب سهام أفكاره الخارقة الهدف أيا كان بعيدا عن خبرته. وكل تلك بالطبع علامات على ضعف العقل وارتباك الشخصية. فالحكيم لا يتكبر، والأصيل لا يتغير، والعاقل لا تغره المناصب والكراسي التي ما دامت لغيره لتدوم له هو.
ولا نبالغ هنا إن ما قلنا، أن أهم عنصر جذب للسلطنة هو الخلق الحسن لأهلها. ولأن الشيء بالشيء يذكر كنت قبل أيام أثني على عامل يؤدي بعض أعمال الديكور في منزلي فأخبرني أنه اكتسب ذوقا رفيعا من العمل لعشر سنوات في «.....» فقلت له بدهشة:

ولمَ تركت بلداً كتلك عالية الدخل متقدة الاقتصاد، حيث يمكنك أن تجني أضعاف ما تجنيه هنا فقال لي بلهجته وإيماءاته: «فلوس في.. احترام مافي.. شنو فايدة»، فأثنيت على مبدأه فما قيمة المال في غياب الدفء الاجتماعي والاحترام الإنساني للمرء بغض النظر عن حجمه وموقعه وأصله.

وإن ما حصحص الحق فالتواضع هو عنوان الشخصية العمانية. وتشمل مظلة هذا الإطراء الجــــميع بلا استثناء. فرغم عراقة أصلهم وتاريخهم، وما انتزعوه من مكانة دبلــــــوماسية بين الأمم، إلا أن معدنهم الأصيل، ولأنه أصيل، لم يتغير وتلك نعمة نبتهل للبارئ أن يديمها عليهم حتى تقوم الساعة.