الساجد قبل المساجد

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠١/مارس/٢٠١٨ ٠٣:١٦ ص
الساجد قبل المساجد

عزيزة راشد

مساجد مزخرفة بنقوش دقيقة، وأصباغ باهرة، وألوان رائعة، تُنيرها ثريا من الكريستال الخالص الباهر الذي يلمع كالألماس في حضرة الضوء، تطل على سجادة فاخرة صنعتها مئات الأيدي المحترفة في صنعة عجيبة، أجواء مكيفة وهدوء ساحر، مسجد يطل على أروع المناظر، يفترش أرض مساحتها ألوف الأمتار.

أتاك الخير يا من تبحث عن بيت في الجنة، ساهم معنا في بناء مسجد واضمن لنفسك صك الغفران وقصرا في الجنة، هكذا تأتي بعض الإعلانات المحفّزة للخيّرين لبناء مسجد أو المساهمة في تكملة البناء مع تدعيم الإعلان بعدة آيات قرآنية وأحاديث نبوية وأقوال وحكم.
قرية صغيرة تتوزع فيها المساجد بتشكيلة هندسية عشوائية حتى وصل الحال في بعض القرى أن تزاحمت فيها المساجد بشكل عشوائي، توحي بأنها فاتيكان جديدة أو أن الدين انحصر في بقعة أرض معيّنة فقط.
أين نجد الله؟ هل في زخارف المساجد أم في فراشها الوثير؟ هل نجده في كل بناء لمسجد؟ وبذلك ترتاح ضمائرنا أننا أكملنا ديننا وواجبنا تجاه الله والإسلام وانتهى دورنا الديني، هل الله في الحجر أم في قلوب البشر؟ الله موجود في كل زمان ومكان سواء صليت له في مسجد أو فوق صخرة، والدعاء يسمعه من كل مؤمن سواء في غياهب الجب أو في بطن الحوت، الله لا نربطه بحجر ومكان، إنه الله في كل زمان.
تبهرك المساجد الباذخة وفور دخولك لها لا ترى أحدا، أين الساجد في المساجد؟ لماذا لا نرى الشوارع تتوقف لحظة الأذان والناس تتسابق للصلاة في المساجد؟ لماذا لا نرى الأبناء يضبطون ساعاتهم على منبه للصلاة وليس للدوام أو موعد؟ هل أهملنا بناء الساجد وركّزنا على بناء المساجد؟ لماذا جعل البعض من الخطباء والفقهاء العلاقة بين الله والإنسان عبارة عن عذاب ونار وثعبان أقرع وعذاب قبر وصراط مستقيم بحد شعرة؟ حتى نفر الناس، والنفس تأنف مما يعنّفها، حتى بتنا لا نرى الشباب إلا على المقاهي بالساعات وأمام شاشات هواتفهم، فالوقت الذي يقضونه في المسجد يُحسب بالدقائق المعدودة لإنهاء فرض صلاة ثم ما يلبثون أن يجتمعوا في أقرب مقهى لمدد زمنية طويلة تقارب 5 ساعات وأكثر.
هل الخطاب الديني بحاجة إلى تجديد، هل البُعد عن التقليدية في الخطاب هو الحل في زمن الثورات المعرفية والتأثيرات الخارجية التي يتلقاها الشباب المسلم الذي لم يجد في قريته مكتبة أو متنزها سوى مساجد كثيرة ترهبه وتهدده بالنار والعذاب ففضّل الانزواء بعيدا أو الانشغال بالحياة والهواتف، وآخرون ممن لهم الجرأة تركوا البلاد وهاجروا وآخرون أشهروا إلحادهم وآخرون مسلمون بالاسم فقط.
الدين أمانة لدى كل من تعهّد أمام الله أن يكون راعيا للدين ومفتيا له، وتعليمه للأجيال القادمة يتطلب الإدراك الواعي والعلم الغزير والإلمام بمستجدات العصر، فالله هو الرحمة والدعوة المستجابة والملجأ وليس النار والعذاب والترهيب. على من يقف فوق منابر المساجد أن يُراعي الله ويحبب عباده فيه، ولا يُرهبهم ولا يزرع فيهم الخوف بل الرغبة والحب الصادق، لنرى المساجد في يوم ما وقد امتلأت بالشباب المسلم الذي أتى ليعبد الله حبا فيه، فالمحب يجزل الوصل ويوفي ويُخلص للعبادة والفروض، ويتخذها كمبدأ يتقيّد به في بلده وخارج بلده، علينا أن نبني الساجد قبل المساجد.