إما النمو الشامل أو....

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٢١/فبراير/٢٠١٨ ١٠:٣٢ ص

سيرجي جورييف، داني ليبزيجر، جوناثان أوستري

في اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي هذا العام في دافوس بسويسرا، لم يشكك المشاركون في لبنات البناء الأساسية للنمو في الاقتصاد العالمي اليوم: الأسواق الحرة، والحكم الرشيد، والاستثمار في رأس المال البشري والبنية الأساسية. لكنهم انتقدوا عدم الإنصاف في توزيع فوائد النمو. وهم محقون: ففي غياب استجابة سياسية قوية تستهدف بناء نموذج نمو أكثر شمولا، يعمل صعود الشعبية والقومية الاقتصادية على إضعاف أداء الأسواق واستقرار الاقتصاد الكلي الإجمالي -وهو ما قد يؤدي إلى إنهاء التعافي العالمي الحالي قبل الأوان.

إن كل سياسة اقتصادية تقريبا تؤثر على كل من الدخل الكلي وتوزيعه. والواقع أن بعض الإصلاحات -مثل تلك التي تعزز حياد وكفاءة المؤسسات القانونية- مفيدة للنمو والعدالة (في حالتنا هذه، تكافؤ الفرص). وتأتي نتائج وتيرة جهود إلغاء الضوابط التنظيمية لأسواق المنتجات والعمل أكثر التباسا، وهو ما قد يرجع إلى القيود المفروضة على البيانات والظروف المحددة لكل إصلاح. على النقيض من هذا، عندما يتعلق الأمر بإلغاء الضوابط التنظيمية المالية وتحرير تدفقات رؤوس الأموال الدولية، نجد مقايضات واضحة تتعلق بمدى كفاءة العدالة: فهي تعزز النمو، ولكنها تميل أيضا إلى زيادة فجوة التفاوت بين الناس اتساعا. وتشير الأدلة في اتجاه مماثل عندما يتعلق الأمر ببعض التدابير التي تستهدف تحرير معاملات الحساب الجاري (التجارة في السلع والخدمات).

لا ينبغي لهذه النتائج أن تأتي كمفاجأة: فمن المعروف أن عوامل مثل التغيّر التكنولوجي السريع والعولمة ساهمت بشكل كبير في إيجاد اقتصاد، حيث يستأثر الفائز بكل شيء، وحيث تتراكم لدى أولئك الذين يحظون بميزة التحرك الأول حصة غير متناسبة من فوائد النمو.
تتمثل مهمة صنّاع السياسات في ضمان حصول الفئات المحرومة أيضا على فرص النجاح في الاقتصاد الحديث، من خلال تصميم كل الإصلاحات وغيرها من التدابير مع مراعاة أثارها التوزيعية. وإلا فإن الإصلاحات الداعمة للنمو ستفقد الشرعية السياسية، وهذا من شأنه أن يمكن القوى القومية والكارهة للمهاجرين وسياسات الحماية من الاستمرار في اكتساب القوة وبالتالي تقويض النمو في الأمدين المتوسط والبعيد.
المفتاح إلى تحقيق النجاح هو العمل الاستباقي، وليس التركيز فقط (أو في المقام الأول) على التدابير التجميلية. وهذا يعني تصميم حزم سياسات متماسكة وقادرة على استيعاب التأثيرات التوزيعية المترتبة على سياسات تعزيز العرض، والتي تهدف إلى إيجاد توازن أفضل بين الفائزين والخاسرين عبر هذه السياسات. وفي إطار عملنا في مجلس المستقبل العالمي المعني بالتقدم الاقتصادي التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي، قمنا بإصدار قائمة تشمل تدابير ملموسة من شأنها أن تعمل على تعزيز مثل هذه الأجندة.
تتمثل منطقة التركيز الحاسمة الأولى في التدريب على المهارات، ورفع مستوى المهارات، والتعامل مع نزوح الوظائف. كانت العولمة وما يُسمّى الثورة الصناعية الرابعة من الأسباب التي أدّت إلى زيادة وتيرة التغيير في أسواق العمل، وإعطاء أهمية كبرى للقدرة على التكيّف. وتلعب السياسات العامة دورا مهما ليس فقط في توفير وسيلة للتخفيف عن العمّال في فترة انتقالية، من خلال دعم الدخل، ولكن أيضا في إيجاد الحوافز والفرص لاكتساب المهارات.
لتحقيق هذه الغاية، ينبغي للحكومات أن تعمل على تعزيز الاستثمار في التعلّم مدى الحياة لإعادة التدريب، وإعادة التجهيز، وإعادة شحذ المهارات. على سبيل المثال، تستطيع الحكومات أن تستخدم حسابات المهارات الفردية لتوفير منح التدريب على مدار الحياة العاملة للناس، وهو ما يجب أن يكون مشروطا بمشاركة أقوى من قِبَل القطاع الخاص في التدريب وتنمية المهارات. وينبغي للحكومات أيضا أن تعمل على تعزيز المعروض من المهارات من خلال تعزيز الحوافز المقدّمة للمؤسسات التعليمية لتسخير قوى التكنولوجيا الرقمية ونماذج الأعمال الحديثة.
تتمثل منطقة حرجة ثانية في الضرائب والحماية الاجتماعية. ففي حين تختلف السياسات المحددة وفقا للعقود الاجتماعية الوطنية، فإن عملنا يشير إلى أن عملية إعادة التوزيع -ما لم تكن متطرفة- لا تتسبب في جلب خسائر ملحوظة في الكفاءة. وعلاوة على ذلك، كلما جلبت قدرا أعظم من العدالة فإنها تساعد في جعل النمو الاقتصادي أكثر استدامة، على سبيل المثال، من خلال الحد من أوجه الهشاشة الجهازية التي قد تؤدي إلى حدوث انتكاسات حادة.
عندما يتعلق الأمر بالضرائب، يُصبِح من الأهمية بمكان الحفاظ على الشرعية السياسية لنموذج النمو من خلال ضمان عدم انحراف النظام لصالح الأثرياء. وإلى جانب زيادة الضرائب على الأنشطة الريعية والعقارية، ينبغي لصنّاع السياسات أن يلاحقوا جهودا تعاونية لوقف التهرب الضريبي من جانب الشركات، والانقلابات الضريبية، واستخدام الملاذات الضريبية. كما ينبغي للتحويلات المالية أن تكون أفضل توجيها، من أجل حماية الفئات الأكثر ضعفا.
على نحو مماثل -وهذه هي الأولوية الإصلاحية الحاسمة الثالثة- هناك احتياج لتدابير أكثر عدوانية لتنظيم الأسواق المالية، وخاصة لمنع التداول من الداخل وغسل الأموال، ولإغلاق المراكز المالية غير القانونية. هناك أيضا احتياج إلى فرض ضوابط تنظيمية وتدابير عبر الحدود لضمان تحميل من يخوضون المجازفات تكلفة عالية عن تهورهم. وفي عموم الأمر، يتعيّن على الدول أن تستفيد من الأدوات المتاحة تحت تصرفها في إدارة تدفقات رأس المال عبر الحدود، بهدف التخفيف من مخاطر الأزمة المالية وما يرتبط بها من تكاليف مالية.
تتلخص الأولوية الرابعة والأخيرة في بذل جهد أكثر تضافرا لضمان المنافسة العادلة وتجنّب رأسمالية المحسوبية. ويتطلب ضمان تكافؤ الفرص على المستوى الوطني والنظام الدولي القائم على القواعد تبنّي سياسات المنافسة الفعّالة وإنفاذ قواعد التجارة العادلة. وسواء كان ذلك في الصناعة، أو الخدمات، أو وسائط الإعلام، فإن تدابير مكافحة الاحتكار لتجنّب وقوع المؤسسات أو الصناعات في الأسر -من قِبَل الأقوياء أو الدولة- تشكّل أهمية بالغة لدعم الشمول.
يتطلب التصدي لردود الفعل السلبية ضد العولمة -وفي بعض الحالات ضد الرأسمالية ذاتها- الاستعانة بسياسات اقتصادية لا تعالج التأثيرات التوزيعية العويصة فحسب، بل وتستبقها أيضا. وسيتطلب هذا تغييرا جوهريا في العقلية، مع إدراك الشركات والحكومات أخيرا لحقيقة مفادها أن النمو من غير الممكن أن يكون مستداما إلا إذا كانت فوائده مشتركة على نطاق واسع.
الحق أن قرار وضع التفاوت في صميم المناقشة الدائرة في دافوس هذا العام كان بمثابة تطوّر واعد. لكن الحلول الفعلية تظل غير ناضجة. فرغم الإعراب عن الكرب والانزعاج إزاء اتساع الفوارق الاقتصادية داخل العديد من البلدان، فإن السياسات اللازمة للتصدي لها تظل غير كافية. ولا بد أن يتغيّر هذا إذا كان للتعافي الاقتصادي الحالي -وهو مصدر قدر كبير من الارتياح والأمل في مختلف أنحاء العالَم- أن يستمر.

سيرجي جورييف، كبير خبراء الاقتصاد لدى البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية.

داني ليبزيجر، أستاذ إدارة الأعمال الدولية في جامعة جورج واشنطن، والمدير الإداري لمبادرة حوار النمو، وكان نائبا لرئيس البنك الدولي، ونائبا لرئيس لجنة سبنس للنمو والتنمية.

جوناثان أوستري، نائب مدير قسم البحوث

في صندوق النقد الدولي.