x

خطة الإصلاح الضريبي في ألمانيا

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٢/فبراير/٢٠١٨ ٠٣:٣١ ص
خطة الإصلاح الضريبي في ألمانيا

مارسيل فراتسشر

بعد أشهر من المفاوضات، تتجه ألمانيا نحو تشكيل حكومة ائتلافية موسعة، والتي تضم الاتحاد الديمقراطي المسيحي للمستشارة أنجيلا ميركل والحزب الاشتراكي الديمقراطي المضطرب. ويبدو أن الحكومة الجديدة ستضيع الفرصة التي يتيحها الوضع الاقتصادي والمالي القوي في ألمانيا للقيام بالإصلاحات الضرورية.

وفي الواقع، فإن السياسات المالية التي تناقشها الحكومة الناشئة في ألمانيا تشبه سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى حد كبير. لكن وفقا لمعظم الاقتصاديين، إذا كانت ستجلب بعض الفوائد المحدودة لأقلية السكان، فإن هذه السياسة ستكون مكلفة للغاية على المدى الطويل بالنسبة للغالبية. ومن جانبها، تناقش الحكومة الألمانية الأولية خفض الضرائب على الشركات والأغنياء، مع زيادة الإنفاق العام، بما في ذلك المعاشات التقاعدية.
في الولايات المتحدة، أقنع ترامب العديد من مؤيدي الدخل المنخفض بأنهم سيستفيدون من إصلاحه الضريبي، وليس فقط الأغنياء. وقد تحقق إنجاز مماثل في ألمانيا، حيث أقنعت جماعات الضغط القوية الناخبين من الطبقة الوسطى بأن انخفاض الضرائب سيؤدي إلى تحسين أوضاعهم.
على سبيل المثال، تدّعي هذه المجموعات أن رفع عتبة الدخل المقابلة لمعدل الضريبة الحدية سيساعد الناخبين ذوي الدخل المتوسط، رغم أن أعلى معدل للضريبة الحدية يتم فرضه الآن على 7%فقط من الموظفين الألمان. وبالمثل، فإن خطة إلغاء الرسوم الضريبية على المداخيل المرتفعة (ضريبة التضامن)، التي تم اعتمادها منذ أوائل التسعينيات بعد الوحدة بين الألمانيتين الشرقية والغربية، ستعود بالفائدة تقريبا على أعلى 30%من الموظفين.

وهذه إشكالية أكبر، لأن أعلى 30%من الموظفين في ألمانيا يدفعون ضرائب بنسبة أقل مما كانوا يدفعونه قبل 20 سنة، ومع ذلك، فقد زادت ثروتهم بشكل ملحوظ. ويدفع 70%من دافعي الضرائب الباقين ضرائب مباشرة وغير مباشرة أكبر بكثير، رغم أن دخلهم غالبا ما يكون أقل.

ويبدو أن الحجج المتعلقة بخفض ضرائب الشركات خاطئة. وعلى غرار ترامب، يدّعي السياسيون الألمان ومجموعات الضغط أن الشركات المحلية في حاجة إلى تخفيض الضرائب من أجل الحفاظ على قدرتها التنافسية. ومع ذلك، تُعد شركات التصدير الألمانية تنافسية بلا شك، وقد تمكنت إلى حد كبير من زيادة حصتها في السوق العالمية منذ التسعينيات، وقد بلغت أرباح الشركات ذروتها في السنوات الأخيرة، وإذا كانت ضرائب الشركات في ألمانيا ما تزال مرتفعة نسبيا مقارنة بالدول الأخرى، فقد انخفضت بشكل ملحوظ في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
وبعيدا عن تحقيق فوائد اقتصادية منخفضة، فإن التخفيضات الضريبية المقترحة في ألمانيا -مثل التخفيضات الضريبية المقترحة من قِبل ترامب في الولايات المتحدة- ستشكل عبئا طويل الأجل على المالية العامة. وفي حين يتمتع القطاع العام في ألمانيا حاليا بفائض يبلغ حوالي 1.3%من الناتج المحلي الإجمالي، فذلك يرجع إلى حد كبير إلى الحظ الجيّد، وليس إلى السياسة الجيّدة: فمن دون أسعار فائدة منخفضة وسوق عمل قوي، ستكون الميزانية الاتحادية في حالة عجز.

وبالإضافة إلى ذلك، ونتيجة للتغيّرات الديمغرافية، سترتفع الالتزامات المتعلقة بالمعاشات التقاعدية والنظام الصحي في العقود المقبلة. وسيتطلب تغطية تكاليفها زيادات ضريبية كبيرة وتخفيضات في الإنفاق -على عكس ما وعد به الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي.
بيد أنه يتعيّن على الحكومة الألمانية عدم استبعاد أي تخفيضات ضريبية أو زيادة في الإنفاق. ولضمان أثر إيجابي أفضل لهذه التغييرات، دون الإضرار بالأجيال الشابة، يجب أن تُصمم بطريقة مختلفة كليا.
ويمكننا القول إن أكبر ضعف اقتصادي في ألمانيا اليوم يتمثل في انخفاض الاستثمار الخاص. مع تحقيق قطاع الشركات الألمانية أرباحا هائلة لأكثر من عقد من الزمان، فالموارد ستكون متاحة بالتأكيد. ومع ذلك، فإن الإفراط في التنظيم، والأعباء البيروقراطية الثقيلة، وعدم اليقين في السياسات، وضعف البنية الأساسية الرقمية والنقل، وفي بعض الصناعات، الافتقار إلى العمال المهرة، يعوق استثمارات الشركات في القدرات الجديدة والقائمة.
لا تحتاج الحكومة إلى التخلص من جميع العقبات التي تعوق الاستثمار والابتكار في آن واحد. لكن ينبغي على الأقل أن تُوجِد حوافز ضريبية للبحث والتطوير، فضلا عن الاستثمار في الأسهم. كما ينبغي أن تساعد المشاريع الصغيرة والمتوسطة في مكافحة التهرب الضريبي للشركات الكبرى.
وأخيرا، سيتعيّن على الحكومة الألمانية استخدام حيّزها المالي للاستثمار في رياض الأطفال والتعليم الابتدائي. كما ستحتاج إلى تحسين البنية الأساسية الرقمية للتنافس دوليا وتطوير نظام الضمان الاجتماعي لزيادة مشاركة القوى العاملة في النشاط الاقتصادي والحد من البطالة طويلة الأجل.
وفي جوانب مختلفة، يعرف اقتصاد ألمانيا تقدما ملحوظا. لكن هذا ليس مبررا لتبديد الحكومة فائض ميزانيتها الكبير على التخفيضات الضريبية والإنفاق غير الضروري. بل على العكس من ذلك، فإن هذا الفائض يتيح لألمانيا الفرصة لمواجهة التحديات الطويلة الأجل التي تواجهها -وهي فرصة يجب على حكومة ميركل المقبلة ألا تضيعها.

مدير سابق في البنك المركزي الأوروبي، ورئيس مركز البحوث ديو برلين وأستاذ الاقتصاد الكلي في جامعة هومبولت في برلين.