
محمد بن محفوظ العارضي
بعد أن اعتمدت غالبية الدول حول العالم -إن لم يكن جميعها- سياسات للتطوير الاقتصادي والاجتماعي، ومن ثم أطلقت مشاريع مستقبلية تعبّر عن واقعها المستقبلي، بدأ الحديث اليوم عما يسمى بمسرّعات تنفيذ هذه المشاريع، سواء كانت مشاريع تطوير السياسات الحكومية أو تطوير القطاعات الاقتصادية والصحية والتعليمية والخدمات.
والمسرّعات عبارة عن جملة من البرامج والمبادرات هدفها تحفيز التغيير المنشود واختصار الوقت الذي لم يعد من المقبول أن يكون طويلاً. بعض الدول ربطت قدرتها على البقاء بما تحدثه من متغيرات تلبي طموحات وأحلام شعوبها خاصةً فيما يتعلق بالوظائف والقضاء على البطالة والارتقاء بمستويات المعيشة وتقليص الفوارق الاجتماعية. فالصين على سبيل المثال والمرشحة لقيادة اقتصاد العالم في المستقبل القريب أطلقت مبادرة «الحزام والطريق العام 2013»، ووضعت لها أهدافاً واضحة تشمل شكل ومستوى حياة الكثير من الشعوب التي تعيش في الدول التي سيطالها طريق التجارة العالمي الجديد. أما ماليزيا فأطلقت رؤيتها 2020 التي تهدف إلى أن تكون ماليزيا ضمن الدول الخمس الأولى في العالم، وأطلقت الإمارات للهدف ذاته رؤيتها 2021، والبحرين أطلقت رؤية 2030، ورؤية المملكة العربية السعودية 2030، والكويت 2035، أما وطننا الحبيب عُمان فأطلق رؤية 2040 في العام 2014 وارتكز في تنفيذها على استخدام الموارد المتاحة لتطوير الاقتصاد والمجتمع العُماني.
من الجيد أن نرى العالم اليوم يتسابق على تحقيق رؤى متشابهة ومتكاملة هدفها العدالة الاقتصادية والاستدامة وجودة حياة الناس، لكن من الجيد أكثر أن تعتمد كل دولة مسرّعات متاحة أيضاً لتنفيذ رؤيتها وتحقيق أهدافها.
في عُمان الكثير من المسرّعات، وتتمثل جميعها في فرادة السلطنة من حيث الموقع والجغرافيا والموارد وثقافة المواطنة التي لا تترفع عن أي عمل من شأنه تسريع تحقيق الرؤية. لكن المسرّع الأكثر عملية، والذي علينا أن نركز على تطويره خلال المرحلة المقبلة، هو قطاع السياحة على وجه التحديد. هذا القطاع لا يحتاج إلى الكثير من النفقات حتى نرفع مستوى مداخيله ومساهمته في الاقتصاد الوطني، فالسياحة جغرافيا، وجمال طبيعة، وعراقة مكان، وأصالة لحضارة، وطيبة شعب، وهذه المقومات جميعها متوافرة في محافظات السلطنة كافة وكل ما نحتاجه من أجل استثمارها هو أن نجعل العالم يعرف بها ويأتي لتجربتها.
صحيح أن الاقتصاد المستدام يعني الإنتاج والتكنولوجيا والابتكار، لكن حتى نصل إلى مرحلة نستطيع فيها الصرف بحرية على هذه القطاعات علينا التركيز على القطاعات الجاهزة لتوليد الدخل والمساهمة في النمو الاقتصادي ومن ثم تحقيق التنمية. وهذا ما يجعل من السياحة قطاعاً مرشحاً لقيادة النمو في المرحلة المقبلة ليس في السلطنة فقط بل في العالم أجمع، إذ تشير تقديرات مجلس السياحة العالمي إلى أن مساهمة هذا القطاع تبلغ نحو 10% في إجمالي الناتج المحلي العالمي وهو يوفر فرصة عمل واحدة من كل 10 فرص عمل في العالم. وقال المجلس أيضاً إن وجهات السياحة حول العالم استقبلت حوالى 598 مليون سائح دولي في الأشهر الستة الأولى من العام 2017، أي أكثر بنحو 36 مليون سائح مقارنةً بالفترة ذاتها من العام 2016.
السياحة ليست مجرد استثمار اقتصادي بل هي استثمار اجتماعي ثقافي وحضاري في الوقت ذاته. الكثير من المراقبين والباحثين يعتبرون أن السياحة تساهم في حماية الموروث الثقافي والحضاري الذي يتمثل في المواقع الأثرية والعادات والتقاليد الشعبية لأنها تشكل عامل الجذب الأول لاستقطاب السياح وازدهار صناعة السياحة، إلى جانب أنها بوابة للمعرفة وللوقوف على ثقافات العالم واختبارها بشكل مباشر. لقد مرت حقبة من الزمن شكلت فيها الحداثة والمنجزات العصرية عوامل الجذب الأساسية للسياح، واليوم عادت الحضارة بمفهومها الثقافي وسياقها التاريخي إلى الواجهة مرةً أخرى كعامل جذب أساسي للسياح.
السياحة في عُمان كنز بحاجة لاكتشاف، وبحاجة لتوظيفه بالشكل السليم، وبحاجة أكثر لحملة ترويج مدروسة وفعالة تستهدف الشعوب كافة والفئات من مختلف أنحاء العالم. بمعنى آخر، السياحة في عُمان بحاجة لحملة تعريف بفرادة الحضارة العُمانية وآثارها وبفرادة الثقافة والعلاقات الاجتماعية.
وحتى تحقق هذه الحملة نتائجها، نحتاج لاتباع أساليب غير تقليدية، إذا لا يكفي إنتاج المواد المطبوعة أو إعداد الخطابات الرسمية أو الدراسات التي تبين ميزة عُمان السياحية، بل يجب استخدام الوسائل الرقمية الجذابة التي تتناسب مع مفهوم السياحة ذاته، فإذا كانت السياحة ترفيهية فالتعريف بها لا بد أن يكون بوسائل ترفيهية أيضاً. يجب أن نبني صورة في ذهن المتلقي عما يتوقع رؤيته في عُمان، تماماً كما يتخيل كل منا الشوارع القديمة والمقاهي والمباني التاريخية عندما يفكر في زيارة أي بلد في أوروبا القديمة. الصورة الغامضة منفّرة ومشككة حتى لو كان الواقع الذي من المفترض أن تعكسه في غاية الجمال. باختصار علينا نقل صورة عُمان الحقيقية إلى كل بيت في العالم، ورهاننا بعد ذلك على التجربة، فكل من يزور عُمان مرة لن يستطيع الغياب عنها طويلاً، وسيعود إليها مرةً أخرى ليصبح هو نفسه ناقلاً لصورتها ومساهماً في حملة التعريف بما فيها من جمال وعراقة.