هل تنتظرنا أزمة ديون أخرى على الطريق؟

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٢٥/ديسمبر/٢٠١٧ ٠٢:٤٩ ص
هل تنتظرنا أزمة ديون أخرى على الطريق؟

كمال درويش

كان النمو الاقتصادي في تسارع ملموس في أغلب أرجاء العالَم في الآونة الأخيرة. ولكن مع هذا، بلغت نسبة إجمالي الدين الكلي إلى الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالَم نحو 250%، ارتفاعاً من 210% قبيل اندلاع الأزمة المالية العالمية قبل ما يقرب من عشر سنوات، وذلك على الرغم من كل الجهود التي بذلتها الهيئات التنظيمية بعد الأزمة في العديد من الاقتصادات المهمة لِحَمل القطاع المصرفي على تقليص ديونه. وقد أثار هذا الشكوك حول مدى استدامة التعافي، فزعم بعض المراقبين أن ارتفاع أسعار الفائدة قد يؤدي إلى إشعال شرارة أزمة عالمية أخرى. ولكن إلى أي مدى قد يكون حدوث ذلك محتملا؟

للإجابة على هذا السؤال، يتعين علينا أن نتذكر أن الدين يُعَد خَصما وأصلا في آن. ففي اقتصاد مغلق ــ ونحن غير مدينين بأي شيء لأي كائن من خارج الكرة الأرضية ــ يعمل إجمالي الدين والأصول المقابلة بالضرورة على إلغاء كل منها الآخر ــ أو ببساطة من يدين بماذا لمن. على سبيل المثال، تشير ديون القطاع العام المرتفعة إلى احتمال الاحتياج إلى زيادات ضريبية ــ وهذا عكس التشريع الضريبي الذي تقدم به المشرعون الجمهوريون في الولايات المتحدة ــ أو أسعار فائدة أعلى (حقيقية أو اسمية، تبعا للسياسة النقدية والتضخم). وإذا كان الدين مستحقا لمقرضين أجانب بشكل كبير، فإن مخاطر أسعار الفائدة تتضاعف بفِعل مخاطر سِعر الصرف.

وفي حالة ديون القطاع الخاص، يتوقف الكثير على نمطها: النوع التحوطي، حيث يغطي التدفق النقدي للمدين كل الالتزامات؛ أو النوع القائم على المضاربة، حيث يغطي التدفق النقدي أقساط الفائدة فقط؛ أو النوع الاحتيالي، حيث لا يغطي التدفق النقدي حتى أسعار الفائدة. وكما أوضح الخبير الاقتصادي الراحل هيمان منسكي، فكلما ارتفعت حصة الدين التي تنتمي إلى فئة المضاربة أو الاحتيال، كلما تعاظم خطر أن تؤدي صدمة ثقة إلى إشعال شرارة موجة مفاجئة من تقليص الديون والتي سرعان ما تتحول إلى أزمة مالية تامة النضج.
وفي حالة ديون القطاعين العام والخاص، تلعب آجال الاستحقاق أيضا دورا مهما. فآجال الاستحقاق الأطول تتيح وقتا أطول للتعديل، مما يحد من خطر حدوث صدمة ثقة.
ولكن برغم أنه من غير المعقول أن نركز على الأرقام الكلية البسيطة، تميل المؤسسات العامة ومراكز الأبحاث الخاصة إلى ارتكاب هذا الخطأ على وجه التحديد. ولنتأمل هنا تغطية أزمة الديون اليونانية. تتبعت العناوين الرئيسية ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من 100% في العام 2007 إلى 180% هذا العام، ومع ذلك لم يهتم المراقبون كثيرا بأزمة الديون الخاصة. والواقع أنه في حين كان الدائنون الأجانب من القطاع العام يستبدلون حاملي الديون الخاصة، ومع انخفاض أسعار الفائدة، أصبح إجمالي الدين اليوناني أكثر استدامة، وإن ظل مرتفعا. كما وقع خطأ مماثل في تقييم ديون الصين، والتي تشغل بال العالَم أكثر من أي شيء آخر. الأرقام مروعة بكل تأكيد: فالآن بلغت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الصين نحو 250 %، في حين تعادل ديون القطاع الخاص نحو 201% من الناتج المحلي الإجمالي.
في الصين، ربما يكمن الخطر الأكبر في قطاع الظل المصرفي، الذي لا تتوفر عنه بيانات يمكن التعويل عليها. ومن ناحية أخرى، ربما تكون حصة كبيرة من النمو في نسب الديون الخاصة في السنوات الأخيرة راجعة إلى إضفاء الطابع الرسمي على أجزاء من نظام الظل المصرفي ــ وهو الاتجاه الذي يبشر بالخير للاستقرار الاقتصادي.
وبين بقية الاقتصادات الناشئة، ينطوي الأمر على بعض مصادر القلق. بيد أن الموقف مستقر نسبيا في مجمل الأمر. ورغم أن ديون القطاع الخاص كانت في ارتفاع مؤخرا، فإن مستوياتها تظل في حدود المقبول. وكانت ديون القطاع العام آخذة في النمو ولكن باعتدال، نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي.
أما عن الاقتصادات المتقدمة، فليس هناك من الأسباب ما قد يدعونا إلى الاعتقاد بأن أزمة ديون ربما تندلع في اليابان. وفي الولايات المتحدة، من المنتظر أن ترتفع الديون العامة، بفضل الإصلاح الضريبي الوشيك؛ ولكن الضربة يمكن تخفيف حدتها، على الأقل لعام أو اثنين، من خلال تسارع النمو المستمر.
باختصار، لا يبدو أن العالَم يواجه خطر اندلاع أزمة ديون في الأمد القريب. بل على العكس من ذلك، تبدو الساحة ممهدة لزيادات مستمرة في تقييمات الأصول والنمو المدفوع بالطلب.
ومع ذلك، لا ينبغي لنا أن نستخف بالمخاطر الجيوسياسية. ففي حين تميل الأسواق إلى تجاهل الأزمات السياسية المحلية بل وحتى التحديات الجيوسياسية الأكبر، فإن بعض الدراما ربما تخرج عن السيطرة.