كيف نمتلك أدوات التنمية الحديثة؟

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٢٩/نوفمبر/٢٠١٧ ٠٥:١٨ ص
كيف نمتلك أدوات التنمية الحديثة؟

محمد محفوظ العارضي

قبل أيام، مر علينا العيد الوطني لبلدنا الحبيب، والكتابة في حب عُمان كالكتابة على الشمس، تختفي الحروف في بحر من النور، ليس للكلمات أن تصف الحب والوفاء لهذا البلد، وليس لها أن تضيف لجماله أو عظمته. أتصور أحياناً أن الكتابة في حب الوطن بمثابة محاولة شرح وتفسير لجمالية لوحة أبدعها فنان في لحظة إلهام... الشرح قد يفسد السحر الذي تحويه اللوحة، وهكذا الكتابة عن الأوطان، محاولات للوصول إلى مستوى مستحيل من القدرة على الوصف، ومحاولات لاختزال بحور من المشاعر في عدة صفحات.

لذا آثرت أن أشارككم في هذه المناسبة أفكاري حول التكنولوجيا مرة أخرى، وحول ما يمكن أن تحدثه الاختراعات من أثر كبير على مسيرة التنمية إذا وُظفت بالشكل الصحيح.
نستطيع القول إن مسيرة التاريخ كانت عبارة عن جملة من الاختراعات والاكتشافات الضرورية، فاكتشاف النار نقل الإنسان من البدائية ووضعه على مقدمة الطريق نحو التحضر، واكتشاف الكهرباء أسس للتجمعات المدنية الكبيرة، وأسس للتجمعات الصناعية التي أحدثت طفرة وثورة في المنتجات في بدايات القرن الثامن عشر. ثم تلتها ثورة الاتصالات والمواصلات التي حولت العالم إلى مساحة مترابطة ومتصلة تتبادل التأثيرات على كافة الصعد من الثقافة والعلوم والاقتصاد والسياسة، فشكلت العلوم ملامح عالمنا الحديث، وأصبحت شرطاً للمواكبة والمنافسة على خارطة البقاء للجنس البشري، البقاء الذي لا يعني الفناء المادي في نقيضه بقدر ما يعني الفناء المعنوي لمن لا يملك المعرفة وأدواتها.
ولعل أبرز نتائج التطور التقني والعلوم الحديثة، ظهور اقتصاد العولمة القائم على المعرفة المستدامة والتكنولوجيا المتطورة، والتنافسية العالية بين المنظومات الاقتصادية في أسواق عالمية مفتوحة.
ولكن، وفي الوقت الذي عززت العولمة مقومات التنافس والابتكار واستحداث كل ما هو جديد، أبقت العديد من الدول والشعوب التي لم تمتلك نصيباً كافياً من المعرفة خارج سياق التنمية، لدرجة أننا بتنا نشهد عوالم مختلفة منفصلة في شكلها ومضمونها عن بعضها البعض. شعوب في غاية التطور، وأخرى في غاية التخلف المعرفي. شعوب اجتازت مراحل من الازدهار وأخرى لا تزال في بدايات الطريق أو أنها لم تضع قدمها على طريقها بعد.
هذا الاختلال والتفاوت في التنمية بات يهدد مصير الاقتصاد العالمي بمجمله، فبقاء أكثر من مليار وستمائة مليون إنسان خارج أسواق التداول العالمي للسلع والمنتجات والخدمات يفقد الاقتصاد العالمي فرصاً كبيرة لتعزيز الإنتاج والصناعة ومغادرة حالة المراوحة في معدلات النمو. وما فاقم من هذه الحال، ضعف القدرة الشرائية لدى الشعوب التي كانت في السابق مركزاً لأسواق السلع والتداول والنشاط التجاري.
وبالرغم من التعقيدات الكبيرة التي تتسم بها هذه المرحلة إلا أن الحلول لمواجهة تحدياتها واضحة ومعروفة، إنها العلوم والمعارف والتقنيات الحديثة الكفيلة بإحداث ثورة حقيقية في أسواق ما قبل النشوء وفي الدول النامية على حد سواء في فترة زمنية قياسية. ثورة نحتاج لتكون سريعة وفعالة تستبق الزمن لكي تستبق الأزمات التي قد يحملها هذا الزمن. ثورة لا يمكن أن تتحقق بالأدوات التقليدية والقديمة للتنمية، بل بالأدوات والتقنيات والابتكارات التي أبدعتها البشرية لهذا الهدف بالذات.
إن أبرز المشكلات التي تعاني منها الشعوب في البلدان النامية تتلخص في ضعف مقدرتها الذاتية على الوصول لمواردها واستغلالها، وفي تراجع مستويات التعليم والصحة، وبالتالي غياب المعرفة الحديثة التي أدت إلى ضعف القدرات الإنتاجية، وضيق المساحات الزراعية المستغلة وغياب المصانع والمعامل التي يجب أن تُستَحدث لترتقي بحياة تلك الشعوب.
تبرز هنا أسئلة مهمة، كيف يمكن لهذه المشكلات أن تستمر بعد أن وصلت العلوم لتقنيات واختراعات، لا تجعل من حلها أمراً ممكناً فقط بل سريع الحدوث؟ لم يعد توفير مياه صالحة للشرب أو ري المزروعات يشكل عائقاً بعد أن تطورت تقنيات تحلية المياه المالحة وإعادة تأهيل المياه العادمة. لم تعد الزراعة بحاجة لدورات طويلة ما بين المواسم بعد أن ظهرت المخصبات الحديثة للتربة وتقنيات الري والدفيئات، ولم تعد الطاقة مشكلة بعد أن أصبحت تولدها الرياح والمياه الجارية والشمس. كافة الأدوات اليوم أصبحت متاحة لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة لدى الدول التي تأخرت في مسيرتها، هذه التنمية التي ستعود بنتائجها الإيجابية ليس فقط على أسواق تلك الدول وشعوبها وواقعها الاجتماعي بل ستمتد لتشمل كافة المساحة الاقتصادية والسياسية في العالم أجمع.
هناك حكمة يابانية تقول: «علمني الصيد أفضل من أن تعطيني كل يوم سمكة». على هذه القاعدة يجب تعميم التكنولوجيات والتقنيات المتطورة بين الشعوب والحكومات، لتُشغل بعقول محلية وتُدار وفق إرادة وطنية مدركة لاحتياجاتها وملتزمة بتطلعاتها نحو مستقبل يعزز مكانتها بين الحكومات والدول الأخرى.
في كل مرة نحتفي بيومنا الوطني،لا بد لنا أن نستذكر ما نملكه من تنوع في الإمكانيات ومن دعم حكومي لمساعي التنمية. كل ما نحتاجه فقط هو امتلاك أدوات هذه التنمية التي ستكون بمثابة مسرعات لبرنامج «تنفيذ» وتنويع القطاعات الاقتصادية، وتعزيز مصادر الدخل الوطني.
أدوات التنمية الحديثة ليست مكلفة، ولا تضاهي ما قد نحصده من خسائر إذا لم نستخدم ما نملكه من تقنيات في التنمية وتعزيز الإنتاج وتطوير القطاع الزراعي وحل مشكلة الخدمات اللوجستية.
لعُمان في عيدها كل الحب والوفاء، ولسلطانها المفدى كل الولاء والعرفان، ولشعبها كل المحبة والتقدير.