x

مظاهر الفوضى

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٢٧/نوفمبر/٢٠١٧ ٠٥:١٢ ص

بيرنارد هنري ليفي

بعض المختصين في علوم الحياة يقولون إنه لا يشفى أحد تماما من أي إصابة أو مرض لإن الخلايا تحتفظ للأبد بآثار وذكريات حتى أضعف الهجمات على صحة الجسد وهذا الكلام ينطبق كذلك على الولايات المتحدة الأمريكية.

في يوم ما سوف تقلب الولايات المتحدة الأمريكية صفحة دونالد ترامب ولكن أمريكا لن تشفى تماما من الجرح الغائر الناتج عن الانحطاط والغباء والسلبية المحيرة لفترة رئاسته في وجه الطموحات العالمية للصين وهو الجرح الذي أصاب ثقافة الولايات المتحدة الأمريكية ومكانتها الدولية فهل ترامب هو عبارة عن عارض أو مرض لا يرجى شفاءه؟

إن الإحباط والانهزامية قد أصاب الديمقراطيين كذلك حيث شعرت بذلك في نيويورك وخلال زيارتي الأخيرة لشيكاجو من أجل إلقاء كلمة في ندوة في معهد السياسات التابع لجامعة شيكاغو حيث اتفقت النخب المجتمعة في منزل الأمريكي الإيراني نازي موينان على ذلك علما أن منزله الواقع في مانهاتن يذكرنا بمنازل نبلاء الطاولة المستديرة لشعب الونجوين. إن قرار ترامب بعدم دعم الأكراد في محاولتهم لإعلان الإستقلال عن العراق يعني أن ترامب لم يرتكب خطأ أخلاقيا فحسب بل أيضا خطأ سياسيا لا يغتفر فلقد خان حليفه الكردي وقام بتقوية خصمه الإيراني.

قد يقول المنظر القانوني والسياسي الألماني كارل شميدت إن ترامب قد خلط بين أصدقائه وأعدائه بحيث يتعامل مع أصدقائه بالطريقة التي يجب أن يتعامل بها مع أعدائه حيث قام لأسباب غير مفهومه بالتضحية مرة أخرى بالمصالح القومية الأمريكية الحيوية وهذه المرة بالتخلي عن القوة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط (خارج إسرائيل) والتي يمكن ان تعتمد عليها أمريكا بأمان وجدية.
كيف يمكن للمرء الرد على هذه الخسارة؟ ما هي الموارد المتاحة؟ هل بالفعل لم تكن هناك أي طريقة للتصدي لنادي الجيران السيئين الرافضين لقبول أي مناقشة للسيادة الكردية؟
بعض الديمقراطيين يقولون على الرغم من أن ذلك يؤثر سلباً على كرامتهم الوطنية أن الرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون والذي تم تتويجه من قبل مجلة تايم كملك أوروبا هو في وضع أفضل للتدخل والتصدي للعراق وإيران. إن الديمقراطيين الأكبر سنا لم يكن لديهم تحفظات على استخدام القوة الأمريكية خلال الحرب الباردة لكنهم كانوا في حالة عجز تام عندما حان الوقت للتعبير عن رأيهم ضد عصابة الأربعة الشريرة وغير المتجانسة (إيران والعراق وتركيا وسوريا) والتي عطلت الاستقلال الكردي.
لقد أجريت مقابلة صحفية مؤخرا مع باميلا بول مديرة تحرير نيويورك تايمز بووك رفيو في كنيس ايمو ايل والكائن في الجادة الخامسة وهو اجمل كنيس في نيويورك ومن أضخمها على مستوى العالم ولقد تحولت المقابلة للحديث عن ماكرون ولقد حاولت أن أوضح أن جملته الشهيرة (في الوقت نفسه) والتي يتم تفسيرها هنا كتعبير عن البراجماتية على الطراز الأمريكي هي في الواقع أحد أوضح المؤشرات على قربه الإيدولوجي من الفيلسوف البروتستانتي الفرنسي بول ريكور فهذه الجملة لا تعكس في الحقيقة التفكير العميق حول خيار غامض بل هي تعبر عن عقيدة شخص في حالة خوف بحيث يرتجف أمام اللغز المخيف والذي لا يمكن حله للطبيعة المزدوجة – الجسدي والروحاني والفناء والقيامة- لجسد المسيح المعذب.
لكن قريباً جداً سوف نصل لمسألة معاداة السامية في أمريكا. من ناحية يمكن أن نجد هذه المعاداة في قطعان المعادين للهجرة والمؤيدين لتفوق البيض والمؤيدين الجدد للكونفيدرالية الأمريكية والذين تجمعوا في شارلوتسفيل في ولاية فيرجينيا في أغسطس لتكسير رؤوس بعض السود واليهود ولكن على الجانب الآخر هي موجودة عند بعض اليساريين في الجامعات الأمريكية المؤيدين لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات وهي حملة عالمية ضد المنتجات الإسرائيلية والتي اصبح من الصعب بشكل متزايد تفريقها عن الحملة شبه العلنية ضد المنتجات والمصالح التجارية اليهودية.
في هذا المعنى نحن نعيش في مرحلة ترامب وهي مرحلة شهدت إحياء ترامب لشعار النازييين الأمريكيين في الثلاثينات من القرن الفائت «أمريكا أولا» وهو شعار يشجع على زيادة التعصب فهل يمكن أن ترامب نفسه وعلى الرغم من مواقفه الرسمية المؤيدة لإسرائيل هو في واقع الأمر معادي للسامية في الخفاء؟
الحقيقة هي أن مسألة ترامب – لغز الرجل وحتى اسمه – تحتل حيزا كبيرا جدا في المناقشات العامة ولكن الحقيقة هي انه بينما نقضي أوقاتنا ونحن نتساءل ما إذا كان ترامب مجنونا أو انه مثل شخصية هاملت الذي استخدم الأفراط والفجور للتظاهر بالجنون من أجل خداع خصومه، فإننا نسقط في فخ النرجسية والتي تعتبر الوجه الجديد للعدمية في الولايات المتحدة.

أحد مؤسسي «حركة الفلاسفة الجدد»