x

الشرق الأوسط بلا نقود ورقية

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٣/نوفمبر/٢٠١٧ ٠٤:٥٩ ص
الشرق الأوسط بلا نقود ورقية

ادريان بريدجواتر

تتبنّى الدول حول العالم، وبوتيرة متسارعة، أشكالاً جديدة من حلول الدفع الإلكتروني، فإلى جانب أنظمة البطاقات الائتمانية وبطاقات الخصم المباشر المعتمدة حالياً، يجتمع انتشار طرق الدفع الإلكتروني عبر الهاتف الذكي حالياً مع غيره من الخدمات الحاسوبية لرسم ملامح ما يُسمى «مجتمع بلا أموال نقدية». ولكن هل يستطيع العالم العربي بثقافته التي تُعتبر الأسواق والبازارات جزءاً أصيلاً منها أن يتبنّى أنظمة الدفع الإلكترونية بالكامل؟

عندما يذهب الناس للتسوّق في السويد، فإنهم يستخدمون عملة الكرونا السويدية للحصول على مشترياتهم. إلا أنهم لم يعودوا ينفقونها بالشكل الذي اعتادوا عليه! حيث تحتل السويد مرتبة متقدمة ضمن الدول التي تستخدم وسائل الدفع الإلكترونية، وقد صرّح البنك المركزي السويدي «ريكسبانك» أن التعاملات بالأموال النقدية تشكّل أقل من نصف المعاملات المالية اليومية.

ولكن، هل يمكن تطبيق النموذج نفسه في الشرق الأوسط؟ رغم الانتشار واسع النطاق للهواتف الذكية في المنطقة بأكملها، ما يزال الاتجاه إلى تبنّي التسهيلات البنكية متفاوتاً في بعض الأحيان وغير متسق جغرافياً في أغلبها، وهو ما يعني أن وسائل التجارة ما تزال تعتمد على الأموال النقدية.
من الحقائق الواقعة في الشرق الأوسط أن بعض الناس ليس لديهم حتى الآن أرصدة بنكية أو لا يحصلون على خدمات بنكية كافية، وخصوصاً في المناطق الريفية والأقاليم النامية والمناطق الاقتصادية الأفقر، حيث لا يمتلك الجميع حسابات بنكية أو لا تتوفر لديهم الوسيلة لفتح حساب بنكي، وهذا الواقع يجعل المعاملات غير النقدية خياراً غير عملي في هذه المناطق. فالمزارعون في صعيد مصر أو صيادو السمك في موريتانيا نادراً ما تكون لديهم بطاقات للصراف الآلي.إلا أن هناك مبادرات لمنح من لا يملكون حساباً بنكياً نوعاً من القدرة البنكية. فقد عملت بطاقات الائتمان المدفوعة مسبقاً وقسائم المشتريات وما يُسمى بأنظمة «الوحدة النقدية البديلة» على توفير تسهيل ائتماني للمجتمعات التي لا تمتلك حسابات بنكية في عدة دول حول العالم. ولكن حتى في المناطق المتقدمة في الشرق الأوسط، ما تزال الأسواق تعتمد بشكل أساسي على الدفعات النقدية.
يثير المجتمع الخالي بالكامل من الأموال النقدية عدة تساؤلات ومخاوف: كيف نعطي المال للمشردين أو المحتاجين مباشرة، فهم أحياناً يحتاجون إليه في أيديهم؟ علينا أن نتوقف لبرهة لنفكر ونسأل أنفسنا: هل علينا تقديم جميع صور المنح النقدية تحت مظلة الأنظمة التي توفرها البنوك وتجّار التجزئة والحكومات؟
يقول الصحفي روس كلارك، صاحب كتاب «الحرب على النقد War Against Cash»: «من المحتوم أن يتحوّل المستهلكون في الشرق الأوسط وبقية أنحاء العالم نحو أنظمة الدفع غير النقدية التي يجدونها أيسر لهم ويسعدون بدرجة الأمان التي توفرها. ولكن عندما يتحوّل المجتمع بالكامل إلى المعاملات الإلكترونية ويتخلى عن خيار الدفع نقداً، فإنه سيعتمد اعتماداً تاماً على الأنظمة الإلكترونية التي يمكن أن تتعطل وهذا ما يحدث في الواقع».
ويتابع روس: «سأطرح سؤالاً على أي شخص يقول إن الهاتف النقال سيحل محل محفظة النقود في يوم من الأيام: متى كانت آخر مرة وجدت نفسك دون تغطية الشبكة للإرسال أو وجدت أن بطارية هاتفك قد نفدت؟ في مستقبل خالٍ من الأموال النقدية ستكون غير قادر على إجراء أي معاملة مالية».
لقد جاءت كلمات كلارك في الوقت المناسب، فمع استمرار توغلنا في دروب العصر الرقمي العميقة، ربما ينبغي لنا أن نتوقف ونفكر بالعواقب التي تترتب على المجتمع الخالي من الأموال النقدية. إن استخدمنا الآلات في كل مرة نجري أية دفعة مالية، ألن تعرف المؤسسات التجارية والبنوك وحتى الحكومات التي توفّر وتشرف على السلع والخدمات التي نستهلكها بتوقيت ومكان (ويمكن أسباب) وماهية الأشياء التي نختار شراءها؟
مع تحقق هذا التحوُّل المحتوم، لا شك أن علينا مسؤوليات ولدينا مخاوف يجب التعامل معها. ومع استمرار الدول في الاستثمار بكثافة في البنى الأساسية لنشر وسائل الدفع الإلكترونية، هل فكروا بحال البسطاء؟ إن الشرق الأوسط أشبه بعائلة من الدول المعروفة بالتجارة والمقايضات من يد ليد على مر أجيال كثيرة.
سيصبح الشرق الأوسط في النهاية مجتمعاً خالياً من الأموال النقدية في جميع الدول العربية، إلا أن الاعتبارات التي تجعل من هذه المنطقة أرضاً للتجارة والتجّار قد تجعلها أيضاً متمسكة بالطريقة القديمة في إجراء المعاملات لفترة من الزمن. فكثيراً ما يدور الحوار: هل تريد سعراً خاصاً لهذه السلعة، يا عزيزي؟ لا مشكلة، تفضل بزيارتي في متجري!

متخصص في شؤون تطوير البرمجيات وإدارة المشاريع والتكنولوجيا