المؤتمر الاقتصادي الذي نظّمته اللجنة الاقتصادية بغرفة تجارة وصناعة عُمان بالتعاون مع الأمانة العامة لاتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي تحت عنوان «اقتصاديات لعصر ما بعد النفط.. آفاق وحلول» من أهم المؤتمرات التي تطرّقت إلى أخطر المشاكل التي نبحث لها عن حلول وهي مستقبل الاقتصاد الخليجي وكيفية تنويع مصادر الدخل لعصر ما بعد النفط، من خلال الفرص الواعدة في القطاعات الخليجية غير النفطية، سعياً لإيجاد بدائل جديدة حقيقية تعمل على الابتعاد تدريجياً من الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل، وتمكين القطاع الخاص الخليجي في مسيرة التنمية الاقتصادية، والاهتمام بتأسيس شراكة استراتيجية قوية بين القطاعين العام الخاص، بعد توفير قاعدة بيانات عن الفرص الاستثمارية في دول الخليج.
وقد خرج المؤتمر بعدة توصيات غاية في الأهمية لتفعيل الخريطة الصناعية الخليجية وتنشيط دورها في تحديد الفرص الواعدة، إضافة إلى اقتصاديات المعرفة ودورها المحوري في الدفع بعجلة التنمية، علاوة على استعراض مشروع الرؤية المستقبلية «عُمان 2040» وتكريس أهمية العمل المشترك في إطار مجلس التعاون الخليجي لمواجهة المستقبل بروح التكامل نحو ما يعزز المقدرة الاقتصادية للدول الأعضاء ويمهّد لها سبل التنمية المستدامة ومواجهة التحديات، وإعطاء القطاع الخاص دوراً أكبر في صياغة برامج التكامل الاقتصادي وتعزيز روح المواطنة الخليجية من خلال تبنّي ودعم مبادرات القطاع الخاص التي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل خاصة تلك المرتبطة بالميزة التنافسية واقتصاديات المعرفة، في ظل ما أعلنه الأمين العام لدول مجلس التعاون الخليجي د.عبداللطيف الزياني بأنه تحدد العام 2025 لتحقيق الوحدة الاقتصادية الخليجية، وما أكّد عليه رئيس اللجنة الاقتصادية بغرفة تجارة وصناعة عُمان قيس بن محمد اليوسف، للتعرّف على طبيعة الأزمة الاقتصادية وتجلياتها وآثارها الراهنة والمستقبلية والاستفادة قدر المستطاع من الخبرات والتجارب الإقليمية والعالمية في جانب تحقيق التنويع الاقتصادي بإيجاد بدائل جديدة حقيقية تعمل على الابتعاد تدريجياً من الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل، فكلنا يرى الوضع الذي آلت إليه دولنا بعد هبوط أسعار النفط في الخليج والعالم ككل.
هذا يقودنا إلى سؤال منطقي ومُلح، وهو ماذا فعلنا لتحقيق هذه الرؤى؟ وهل ستظل في حالة سكون وركود بدون أن نلتفت إلى أهمية هذه المقولات التي تؤكد على الاستفادة من الخبرات والتجارب الإقليمية والعالمية لتحقيق التنويع الاقتصادي، حتى لا نكون أسرى للنفط وعائداته فقط وتداعيات انخفاضاتها السلبية على الأجيال الحالية والقادمة، مما يستوجب على مؤسسات القطاع الخاص إعادة النظر في نماذجها وهياكلها التنظيمية والتجارية التقليدية وإعادة اختراع نفسها لتكون ذات صلة باحتياجات الاقتصاد المعاصر بالتوجه نحو الأدوات الرقمية لتواكب كل ما هو حديث وجديد في عالم الاقتصاد والاستثمارات، لإحداث تغيّرات إيجابية وجوهرية لتنويع مصادر الدخل القومي، ولو على المدى البعيد، خاصة إنه لم يتم حتى الآن تنفيذ توصيات المؤتمر بالاستفادة من نتائج الدراسة الخاصة بالخريطة الصناعية التي أعدتها منظمة الخليج للاستشارات الصناعية والتي حددت مجالات الفرص الاستثمارية المتاحة في عدد من الصناعات الغائبة عن المنطقة مثل: الصناعات الغذائية، والصناعات الأساسية لمنتجات الحديد، والصناعات الكيماوية، وتسخير الفوائض المالية في الصناديق الاستثمارية والسيادية وتوظيفها نحو صناعات تُوجِد تنوعاً اقتصادياً مثل صناعة المعرفة وتقنية المعلومات والصناعات التحويلية وغيرها من الصناعات غير النفطية، والبحث عن آليات للاستفادة من وسائل التمويل المبتكرة لتعزيز قنوات التمويل التي يمكن أن تغذي مشاريع التنمية المستقبلية في دول المجلس في إطار الحد من الروتين والبيروقراطية ووضع معايير لمستوى الأداء كمياً ونوعياً؛ لتسهيل الإجراءات وإزالة المعوقات أمام المشاريع الجديدة، ووضع حزمة من الحوافز الجاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي، وإنشاء إدارات مختصة في كل الغرف التجارية تعنى بتشجيع ودعم التجارة والصناعة والاستثمار في دول المجلس، وتحديد فرص الاستثمار الواعدة أمام الشركات والمؤسسات الجديدة والترويج للمشاريع الاستثمارية الخليجية المشتركة، وتقييمها أولاً بأول لضمان الاستدامة والجودة، وتحقيق التكامل الاقتصادي الذي أصبح ضرورة لا غنى عنها، لمواجهة التحديات الاقتصادية التي تفرضها الظروف العالمية والعولمة الاقتصادية، حتى تترجم التطلعات والأهداف والآمال إلى إنجازات حقيقية تلامس حياة المواطنين واحتياجاتهم، بالإضافة إلى مسؤوليتها عن تنفيذ التوصيات الإيجابية للدراسات والبحوث والندوات والمؤتمرات الاقتصادية التي تهتم بمستقبل الاقتصاد الخليجي في عصر ما بعد النفط الذي ما زال يؤرق الجميع.
محمد محمود عثمان
mohmeedosman@yahoo.com