«التجـــارة المستتـــرة» تستنزف الاقتصاد الوطني

مؤشر الثلاثاء ٣١/أكتوبر/٢٠١٧ ٠٣:٣٠ ص
«التجـــارة المستتـــرة» تستنزف الاقتصاد الوطني

خاص-ش
في ظاهرة تضر بالاقتصاد الوطني، تقبل بعض القوى العاملة الوافدة -بمعاونة بعض أصحاب المشاريع العمانيين- على ممارسة التجارة المستترة، أي: يديرون كامل الشركة أو المؤسسة ويأخذون كامل أرباحها مقابل مبلغ مالي محدد يدفعونه لصاحب المشروع المسجل باسمه.

ومما يزيد صعوبة تعقب تلك الأعمال، أن كل العملية تجري بالتحايل على القانون، بحيث يصعب رصدها في كثير من الأحيان.

مفاهيم قانونية

أستاذ القانون التجاري والبحري د. سالم الفليتي يقول: «بالمفهوم القانوني هناك فارق بين التاجر المستتر، والتجارة المستترة، فالأولى هي كل من يزاول عاملاً تجارياً في عباءة غيره، إذ يكون مالك المشروع ومموله لكنه باسم شخصاً آخر، ويكون ذلك لأسباب عدة منها: إشهار الإفلاس أو وجوده في وظيفة أخرى تمنعه من الظهور، أو يعمل في منصب لا يسمح له بالدخول في أعمال تجارية وفقاً للقانون، أما التجارة المستترة -وهي الأخطر- تكون فيها الشكليات كافة باسم صاحب المشروع لكن من يديره هم وافدون، وتعود الاستثمارات كافة إلى أيادٍ غير عمانية، وتترتب على ذلك الكثير من الآثار السلبية».
بالإضافة إلى ذلك فإننا نجد شخصاً لديه مشاريع عدة باسمه، لكنها في الحقيقة لأشخاص غير عمانيين يعملون بعيداً من القانون، ويأخذ نظير ذلك مبالغ شهرية زهيدة، فضلاً عن الآثار الاجتماعية التي تسببها التجارة المستترة، إذ يبقى المستثمر العماني دون أي تقدم أو خبرات في سوق العمل.
ويقول د. الفليتي: «كانت هناك حملة كبيرة ضد هذا النوع من التجارة، لكنها لم تغير من الواقع، فالتجارة المستترة ترتفع كثيراً في بعض القطاعات وأهمها المقاولات، إذ تدار معظم شركات المقاولات من أجانب، ويكون فيها العماني مجرد اسم على الورق».
ويضيف: «بالحديث عن أسباب لجوء البعض للتجارة المستترة، فإن الهدف هو الحصول على مبلغ شهري من دون تعب»، ويقول الفليتي: «يُناقش الآن قانون استثمار رأس المال الأجنبي، الذي يسمح بزيادة نسبة الاستثمار الأجنبي من المشاريع إلى 70%وربما أكثر من ذلك، فلماذا اللجوء للتجارة المستترة إذا كان هناك قانون يسمح للعماني بأن يعمل بشراكة مع غيره من الأجانب نظير مقابل مادي، لكن دون أن يؤثر على الاقتصاد الوطني؟!».

الوجه الآخر

رجال الأعمال والمستثمرون، تحدثوا عن التجارة المستترة من وجهة نظرهم، ومدى تأثيرها على الاقتصاد والأعمال، فيقول رجل الأعمال م.علي الحامدي أحد المستثمرين العمانيين: «أعمل في قطاعات متنوعة منها: المقاولات والمنتجات الغذائية، ومن بينها على سبيل المثال «الدواجن»، وأنا أحد المستثمرين في هذا القطاع، ولدي الآن تجربة عمرها أكثر من عامين، واليوم أواجه عاملة سائبة ووافدة تستأجر مزارع وتربي الدواجن، وتُغرق السوق بمنتجات غذائية غير مطابقة للمواصفات بأسعار زهيدة، قد يكون بعضها غير خاضع للإشراف الصحي وبدون إدارة، مجرد عامل فقط يربي ويضخ المنتج للسوق، مما قد يسبب وجود منتجات يستخدمها المستهلك غير مطابقة للمواصفات، وهذا في قطاع واحد وهو من أهم القطاعات التي تتعلق بالأمن الغذائي، وقس على هذا الأمر القطاعات الأخرى كافة، فلدي أعمال كذلك في القطاعات الصناعية والإنشائية وقطاعات شبكة المياه، وتختلف القطاعات لكن القوى العاملة السائبة حاضرة بقوة في جميعها وتنافس بشكل أو بآخر».

وأضاف: «تعد إشكالية هذا النوع من التجارة مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الحكومية والمواطن، ولابد من تكاتف الجهود من أجل تصويب وتعديل هذه الأوضاع بحيث تأخذ الطريق الصحيح، فلا نمنع القوى العاملة القادمة أن تمارس حقها المشروع في الاقتصاد والأعمال والمشاريع، ولكن في إطار قانوني لا يتعارض مع مصلحة المواطن، وبصورة ظاهرة بعيداً عن التخفي والالتفاف على القانون، وهذا ما يحقق استفادة للمواطن والمقيم».
ويقول صاحب الأعمال سالم الربيعي: «توجد التجارة المستترة في قطاعات مختلفة، ولا شك أنها تؤثر على الاقتصاد سلباً، فتجد أن بعض هؤلاء المخالفين يستنزفون الاقتصاد، بينما يعاني المواطن ولا يحقق نصف الأرباح التي يحققونها».

رؤية أدق

ويقول أستاذ الاقتصاد بجامعة السلطان قابوس د.ناصر المعولي: «التجارة المستترة لها علاقة مباشرة بسوق العمل والتركيبة الديموغرافية للسكان، وقد ظهرت التجارة المستترة مع نمو الاقتصاد العماني الذي اعتمد كبقية دول الخليج الأخرى على القوى العاملة غير العمانية في البناء، والتي كان لها دور إيجابي في عملية البناء والتعمير، لكن عدم وجود قوانين تكافح التجارة المستترة وقلة الوعي لدى البعض حول آثارها ساهم في استفحالها بصورة أكبر».
وعن الآثار الاقتصادية يقول المعولي: «تظهر آثار التجارة المستترة في عمليات التحويلات للعملة خارج السلطنة، والتي تقدر ببلايين هائلة كل عام، وقد بلغ إجمالي التحويلات نحو 4 بليون ريال عماني، وهذا مبلغ كبير جداً بالنسبة للموازنة العامة للدولة، كذلك من الآثار السلبية للتجارة المستترة احتكار بعض القطاعات على القوى العاملة الوافدة، وهذا يؤثر من ناحية أخرى على عملية التوظيف وعلى وجود المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وبات هناك تحدٍ كبير أمام الشباب العماني ليبرز مشاريعه في الأسواق، ناهيك عن الآثار الاجتماعية التي تتعلق باللغة والثقافة والازدحام».
ويضيف المعولي: «يستغل الوافد بشكل قانوني المنح والامتيازات التي توفرها الدولة للمواطن العماني، أما التحدي الأكبر أن العملية بجملها تجري بصورة قانونية، إذ تكون إقامة الوافد قانونية، كما تكون لديه التصاريح والتراخيص كافة، وبالتالي يصبح من الصعب رصدها أو تقديرها».