
لميس ضيف
تعاطفت، كما غيري، مع رسالة لشاب يستجدي المساعدة ليجري عملية زرع كلية في الخارج. وفي الوقت الذي انبرى البعض لجمع المال له ليقضي حاجته سألت إحدى المتصديات للمهمة عن سبب طلبه- المريض- لهذا المبلغ الباهض فأجابت بأنه ينوي شراء كلية من الفلبين!
تذكرت لحظتها، وثائقيا مؤلما رأيته قبل سنوات عن سرقة الأعضاء في باكستان. وبيعها بمبالغ زهيدة تتضاعف مئة مرة على يد السماسرة. تذكرت منظر عائلة- بأكملها- وهي ترفع طرف قميصها للمصور «بعنا كلانا لنسدد ديوننا» قال رب العائلة كاشفاً وأولاده عن جروح متاخمة للخاصرة ظلت ندبتها علامة لا تزول على ما وصل له العالم من وحشية..
«حرام»
قلتها بعفوية لا أقصد بها الحرمة الشرعية بالضرورة بل تعارض الفعل ضمناً مع القيم الإنسانية التي ترفض استغلال حاجة فئة بهذا الشكل المقيت. لم يرق قولي لمحدثتي فقالت لي بأنهم تحققوا من المفتين الذين أكدوا أن الأمر حلال لا ريبة فيه.
بحثت في الموضوع فضولا.. فوقعت على أغرب الفتاوى وأكثرها احتيالا في هذا المجال..
«الأعضاء ليست ملكاً للإنسان ليتصرف فيها- يقول نص الفتوى- ولا يجوز إخضاعها للبيع بحال لكن.. إذا بُذل للمتبرع مكافأة أو هدية، ولم تستشرف نفسه لذلك فلا حرج عليه في أخذها» وبذلك تفتح الفتوى باباً خلفيا للاحتيال والمضي قدما في تلك التجارة.
أن يتبرع شخص لشقيقه؛ لأمه، لابنه.. أو بعد وفاته؛ بأعضائه فذلك أمر مفهوم. أما أن «يتبرع» أحدهم لآخر من بلد آخر بعضو ويحصل على «هدية» مقابل هذا «التبرع» فهي فبركة لم يستخدمها إلا جحا.. وتغيير مسميات لا أكثر لعملية البيع بكل ما تنطوي عليه من تشجيع لتجارة لا تختلف عن الاتجار بالمخدرات وكل ما من شأنه أن يدمر البشر والبشرية.
وظاهرة الاحتيال في الشرع لا تقتصر على جانب. وتراه منذ عصور بصوره الفاحشة لا سيما عندما يأتي الأمر لإشباع الغرائز. فتجد بعض رجال الدين يجتهد في حفر خنادق في الشرع ليخرج للناس بممرات سرية توصلهم لمبتغاهم. قافزين -دوماً- على سبب التحريم ومركزين على نص التحريم وحده. وينطبق الأمر ذاته على جباية أموال الربا؛ وعلى تبرير الاختلاس والرشاوى. وإسقاط بعض الواجبات الثقيلة. وتبرير العنف ضد بعض الفئات. ويستخدم هذا التحايل لقلب الحق وتسويغ الباطل. وكلها تجارة وشطارة و«عيارة». وشعار هؤلاء لكل عقدة «مفتاح» ولكل غاية «وسيلة». وهناك مؤلفات وكتب عدة سيقت في الحيل الشرعية اعترافاً بها. ولا نعرف كيف يمكن أن تجتمع «الحيلة» بكل ما فيها من غش ودناءة مع الشرع بكل ما فيه من سمو وتفاني في حماية الإنسان.
أعاننا الله على هذه الحياة التي أختلط الحق فيها بالباطل فما عدنا نفرق بين الحق.. والباطل.