سمعان كرم
هل شباب اليوم هو قوة المستقبل أم ضعف الحاضر؟ جزءٌ من الجواب سهلٌ وسريعٌ إذ أن الشابات والشباب عند كل شعوب العالم هم قوة المستقبل وصانعوه. ونحن لا نختلف عنهم في هذا المفهوم وتلك الثقة بهم. إنهم أملنا لتحقيق الأحلام وبالتالي علينا دومًا أن نوفر لهم كل ما يلزمهم كي يلعبوا الدور المستقبلي المنوط بهم إذ يقع على عاتقهم ليس فقط استدامة ما توصلت إليه النهضة المباركة داخلياً وخارجياً، بل متابعة مسيرة التقدم والنمو والحفاظ على القيم الموروثة، والسعي لنشرها وتعميمها.
انطلاقًا من هذه المقدمة، هل نؤمن فعلًا بذلك أم أنه مجرد تمني؟ وأن كنا نؤمن أن الشباب والشابات هم فعلاً قوة المستقبل، لماذا نتعاطى معهم في أكثر الأحيان وكأنهم ضعف الحاضر؟ نتعامل معهم وكأنهم غير قادرين على إدارة شؤونهم، وذلك منذ حداثة سنهم حتى بلوغهم سن الرشد والبدء في حياتهم العملية والعائلية. إن وصلوا المدرسة متأخرين نعذرهم، وإن تغيبوا عنها لا نبالي بل نحميهم، وإن رسبوا في الامتحانات نخفف من وقع النتيجة ونسعى أن ينتقلوا إلى صفٍ أعلى رغم فشلهم. وإن كنا نؤمن فعلًا أنهم قوة المستقبل لماذا نردد عبارات لا تنسجم مع ذلك الشعور بل تناقضه فنقول في مناسبات عديدة انهم الحلقة الضعيفة ونستعمل عبارات مثل يستحق المساعدة، ويحتاج الى الدعم وغض النظر والى الرحمة والتفهم، ويحتاج إلى التأهيل المستمر وإعادة التأهيل. وإن بلغوا عمر الرجولة وتزوجوا ورزقوا نتوجه إليهم بعبارات تنطبق على الصغار الضعفاء. من شدة عاطفتنا وحبنا لهم نستعمل ألفاظًا ونعوتًا لا توحي بالقوة المرجوة. في بعض البلدان يخرج الشاب من بيت أهله في سن الثامنة عشر ويصبح حرًا طليقًا ويحتفل الجميع بتلك المناسبة. طبعًا هذا لا يتماشى مع قيمنا وعاداتنا إذ نحن نثمن الروابط العائلية. لكن أن نعتبر أولادنا صغارًا ضعفاء حتى الأعمار المتقدمة، هذا أيضًا ليس محبذًا.
وإن أرادوا متابعة دروسهم في التعليم العالي والتقني، يدخلونه أحياناً دون توجيه دقيق أو حتى قناعة عميقة لأننا لم نرشدهم ولم نتعرف على ما هو الأنجح لهم وأحياناً نتجاهل رغباتهم فنملئ المقاعد المتوفرة في الكليات أو المعاهد حتى وإن لم توجد الاختصاصات المرغوبة. وبصدد التوجيه تجدر الإشارة ببعض المبادرات التي كانت تقوم بها شركة تنمية نفط عمان عندما كانت تسيرّ حافلة على المدارس لتعرف الطالبات والطلاب على قطاع النفط والغاز والفرص التي يقدمها لهم في غدهم. وكذلك مبادرة التي قامت بها مؤخرًا اللجنة المسؤولة عن تنفيذ الخطة التنموية للقطاع اللوجستي إذ قام مندوبون عنها بزيارة عدة مدارس لتعريف الطلاب على القطاع وما سيقدمه لهم من اختصاصات إن كانت للتوظيف أو لريادة الأعمال. ويا حبذا لو تعمم تلك المبادرات على جميع القطاعات وجميع المدارس.
وعند تخرجهم يكون هاجسهم الوحيد إيجاد وظيفة إذ أن القليل منهم وجّه نحو ريادة الأعمال التي لم يتعرفوا عليها خلال رحلتهم التربوية. وحتى عندما يكونون باحثين عن عمل أكثرهم لا يبحث فعليًا أو شخصيًا بل يوكلون المهمة للجهات المعنية المتعددة.
ومن غيرتنا عليهم، ولتصحيح المسار بعض الشي، ولكي نعوّض قليلاً عن الوقت الضائع والجهد المهدور نسعى لإيجاد مؤسسات ومبادرات داعمة مثل برنامج سند، وريادة، وتحفيز، وسجل القوى العاملة، وهيئة عامة للشباب وصناديق دعم وتمويل وتشجيع للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتشريعات تخدم ذلك الهدف. وبالرغم من كل ذلك يتفاجأ هؤلاء الشباب بالواقع عندما يزاح الغطاء عنهم فيشعرون ببرودة وصعوبة وجفاف الواقع فيتعرضون للصدمة واليأس والنقمة.
علينا أن نطرح على أنفسنا السؤال بالعمق: هل الشباب إذاً ضعيف أم لم ننجح نحن في تهيئته وتمكينه؟ الافتراض الأول ساقطٌ لأن الشباب اثبت قوته ووجوده في مجالات عديدة عندما اعطي الفرصة الحقيقية لإظهار طاقته ومهاراته. فهو يدير المصارف، وينتج النفط والغاز، ويفوز بالسباقات الدولية، ويتميز في القوات المسلحة وغيرها. ولا تنقصه النخوة. راقبوه كيف هب للمساعدة في إعادة الحياة الطبيعية للبلاد بعد إعصار جونو. الجواب اذاً عندنا نحن الذين نحضر له المستقبل. علينا أن نراجع المسؤوليات والأولويات وأن نراجع دور الأهل والمدرسة والجامعة والكلية والإعلام ودور كل منا من موقعه.
علينا أن نشركهم في اجتماعاتنا وورش عملنا وإدارة مدارسنا. أن نشركهم بالجمعيات والمعارض والصحافة. ماهو رأيهم في خطة 2020 والرؤية 2040 وموازنة الخطة الخمسية والأزمة المالية؟ ما هو رأيهم في التدريب العسكري والحركة الكشفية. بل ما هي شهيتهم للخروج بمغامرات بحرية وبرية. هل يعرفون عمان من كمزار الى رأس ضربة علي. هل يسافرون للمشاركة باللقاءات الدولية. أين هم في الندوات وجلسات عصف الأذهان فيشاركون ويبدون الرأي ويدافعون عنه فيتعلمون منا ونتعلم منهم. في أول الطريق قد تنقصهم الخبرة في البحث وإدارة الحوار، لكن سيتعلمون بسرعة إن أعطيت لهم الفرصة. والأهم من ذلك أنهم سيتبنون تلك الأفكار والخطط فيدافعون عندئذ عنها ويتحملون مسؤوليتها.
إن الشباب العماني هم قوة المستقبل المستدامة إذا وثقنا بها ولم نخف منها فنسعى دومًا إلى إشراكهم في رسم المستقبل الذي هو لهم.