جمال زويد
هذه العبارة هي من الأمثال العربية الشهيرة، التي تثبت في حياتنا مبدأ كثيرًا ما ننساه أو نتغافل عنه، لكنّه سرعان ما يعيدنا للأصل في الاعتقاد، بالنسبة للحال والمآل. قصة هذا المثل هو أنه يُروى في تاريخنا الإسلامي، في مرحلة الفتن العصيبة والأزمات والاختلافات؛ قصة ثلاثة وهم: عبد الرحمن بن ملجم، والبرك بن عبدالله، وعمرو بن بكر التميمي، أنهم اجتمعوا وقرروا وتعاهدوا على أن يقتل كل واحد منهم أحد قادة المسلمين آنذاك، فكان أن على ابن ملجم أن يتوجه إلى الكوفة ليقتل عليا بن أبي طالب، وأن يتوجه البرك جهة الشام ليقتل معاوية بن أبي سفيان الذي كان متحصنا في دمشق، أما الثالث عمرو التميمي فكانت وجهته مصر لقتل عمرو بن العاص.
وقد اتخذ ثالثهم، عمرو التميمي عندما وصل إلى مصر كل أسبابه واحتياطاته، ورسم خطته واتخذ أداته وحدّد وقته، وظنّ أنه قد ملِك كل التقدير والتدبير لإتمام جريمته الشنعاء والظفر بفعلته. وفي تلك الليلة الموعودة بالنسبة لخطته؛ مرِض عمرو بن العاص، ولم يقو على الخروج للصلاة بالناس، فأناب صاحب شرطته واسمه (خارجة) ليصلّي بالناس صلاة الصبح، ولم يكن عمرو التميمي يميز الأمير عن صاحب الشرطة، فقتل هذا الأخير يظنّه الأمير.
لم يستطع التميمي الإفلات بجريمته حيث أمسكوه وجاؤوا به إلى عَمرو بن العاص رضي الله عنه، فقال له: ألم أقتلك؟ قال عمرو: لا بل قتلت خارجة ؟ فقال حينذاك التميمي: أردت عَمرا وأراد الله خارجة.
ثم ما لبثت أن مضت هذه المقولة مثلاً دارجاً حتى يومنا هذا لمن أراد شيئاً، وبذل له الأسباب، وخطط له واتخذ لنجاحه ما شاء من التدابير والاحتياطات، لكن بالرغم من كل هذا الاستعداد جاءت الوقائع والأحداث بنتائج على خلاف ما كان يريده ويتوقعه ويستهدفه.
بعضنا؛ يجعل لكل شيء في حياته أسباب، ويُقدم على سائر أموره وأفعاله وأقواله، ويغلفها بأعلى درجات الخوف والحرص والحسابات والاحتياط، ويديرها بالأهداف والخطط وإلى آخره من أمور الفعل والتنفيذ، وبما يضمن له التوفيق والنجاح لكنه يغفل أن هنالك إرادة فوق إرادته، مهما فعل وخطط لا يُكتب لعمله إلاّ ما تشاء إرادة ربّ العالمين.
الآيات والدلائل على قدرة المولى عز وجل وتدبيره لهذا الكون أكثر من أن تُحصى، ومع ذلك يصرّ البعض على البقاء في الحالة الأقرب لـ (التألّه) فيعمد في أقواله وأعماله وخططه إلى النجاح التام والنتائج القاطعة، ولا يضع حتى هامش بسيط يتذكّر به أن هنالك من يصرّف هذه الحياة ويدبّر مقاديرها مهما علا شأنهم وتعاظمت قوتهم، بل قد يتقمّص بعضهم، سواء أفراد أو مسؤولين أو أنظمة أو دول شخصية (فرعون) فيخرجون على الناس بمقولة «ما علمت لكم من إله غيري» أو «ما أريكم إلاّ ما أرى» ولا يعلم أن فوقه عظيم السموات والأرض، سبحانه وتعالى.
إن في كل شي صورة إعجاز إلهي يديره المولى عزّ وجل في كونه الفسيح ربما يأتي في أحيان كثيرة لإثبات ألوهيته سبحانه وتعالى وبيان قدرته وإعلان سلطانه وملكوته الذي لا ينازعه أو يتحداه فيه أحد.
سانحة:
لا يملك زمام هذا الكون سواه سبحانه وتعالى حتى وإن غابت أو تلاشت هذه المعاني في خضم النظريات الماديّة التي تفسّر كل شيء وفق أطرها فقط.
كاتب بحريني