روائع وسيمفونيات أم كلثوم

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢٧/أغسطس/٢٠١٧ ٠٤:٥٥ ص
روائع وسيمفونيات

أم كلثوم

أحمد المرشد

من جلسات الصفاء الذهني وصديقنا الولهان التي تحدثنا عنها الأسبوع الفائت ننتقل مباشرة إلى سيدة الغناء العربي، مطربة العرب أم كلثوم، التي استمع لروائعها وسيمفونياتها الملايين من مختلف الأعمار منذ بدايتها وحتى يومنا هذا. فمطربة الأجيال لم ينته عصرها بعد، ولا تزال متربعة على عرش الغناء العربي، فلكل عصر هناك ذواقة للفن الجميل الذين يحرصون على ترديد كلمات أغانيها، لتظل تتغني بها الأجيال في المستقبل، خاصة وأن مؤلفين وموسيقيين مبدعين شاركوها رحلة المجد، لتشدو أم كلثوم بكلمات تعلمنا منها دروسا في الحب والهجران وحتى أكون واقعيا، فقد غنت للشاعر الكبير مرسي جميل عزيز الذي وصفوه بأنه صاحب أرق كلمات الحب، أغنية «سيرة الحب» في ملحمة غنائية رائعة تعلمنا منها رقة المشاعر مثل «طول عمري بخاف من الحب وسيرة الحب وظلم الحب لكل أصحابه»..

وتبدع أم كلثوم فِي لقاء القمة مع موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب في رائعة «انت عمري» للشاعر الكبير أحمد شفيق كامل، وللإنصاف نقول إن الإبداع من نصيب الثلاثي أم كلثوم وعبد الوهاب والشاعر الذي ربط الحب بالعمر في كلماته.

ويتواصل الإبداع بين أم كلثوم وشعرائها العظام ومن بينهم بيرم التونسي، لتغني له «صحيح الهوي غلاب»: «هو صحيح الهوى غلاب ما عرفش أنا.. والهجر قالوا مرار وعذاب واليوم بسنة..جاني الهوى من غير مواعيد.. وكل مادا حلاوته تزيد..ما أحسبش يوم ح ياخذني بعيد».
ويتواصل اللقاء بين كبار المبدعين ليتبوأ الشاعر أحمد رامي مكانته الكبيرة لدي أم كلثوم وعشاقها، لتغني له أكثر من قصيدة وأغنية ليتركا للمكتبة الغنائية العربية أروع ما كتب عن الحب، بل نقول تركا لنا دروسا في فنون الحب والعشق والهوي، لما ربط بين رامي وأم كلثوم من علاقة حب عذري لم يكتب لها الاكتمال، ولدينا «رق الحبيب» التي صور فيها رامي الحبيب أو الحبيبة في حال انتظار اللقاء: «رق الحبيب وواعدني يوم..وكان له مدة غايب عني..حرمت عيني الليل م النوم..لأجل النهار ما ييجي يطمني».
والمثير للدهشة أن أحمد رامي ورغم حبه لأم كلثوم، لم يكن أنانيا، وأتذكر مقابلة لأحمد رامي عندما سأله المذيع القدير وجدي الحكيم عن أحب أغاني أم كلثوم إلى قلبه؟..فلم يرد بأغنية من كلماته، ولكنه ذكر شعراء آخرين وقال إن أجمل ما غنت أم كلثوم كانت أغنية لعبد الفتاح مصطفي (لا يا حبيبي) والتي أجادت بأدائها فيها عندما عبرت بأجمل ما قيل عن آلام الحب والشك من قبل الحبيب.
نعم لرامي الحق وكل الحق أن يمتدح هذه الكلمات لأن أم كلثوم أبدعت في الترنم بكلماتها معبرة عن أحاسيس ذات شجون ومعانٍ.
وإذا كنا تحدثنا عن روائع وسيمفونيات أم كلثوم التي عشقها الملايين في حياتها وبعد مماتها، فلدينا شهادة من أحد عمالقة الموسيقى العرب وهو الموسيقار محمد عبد الوهاب، وقد سجلها في مقابلة إذاعية، وتشعب حديثه إلى تقييمه لصوت أم كلثوم، فوصفه بـ»صوت نادر يتمتع بمزايا عديدة، تكفي كل مزية منها لتجعل من صاحبتها مطربة عظيمة، فكيف إذا اجتمعت هذه المزايا لصوت واحد». هذا الوصف الرقيق صدر عن عملاق من عمالقة الموسيقى، رغم المنافسة المعروفة بينه وبين أم كلثوم، كما أنه صادر عن خبير وصاحب تجربة في التلحين لسيدة الغناء العربي والتعامل مع صوتها عبر عشرة ألحان تضمنت كل ألوان الغناء.
لم يقصر عبد الوهاب في وصف صوت أم كلثوم، لأن صوتها يشمل باقة من أجمل الزهور لونا وأكثرها عبقا، فصوتها عبارة عن حدائق غناء من الأزهار والثمار والمياه الصافية والأنسام والظلال. ولم لا، فأم كلثوم تتمتع بحنجرة عظيمة منحتها تميزا فوق تميزها وقوة في الغناء، فقد توفر لصوتها مزايا عديدة منها ما هو الغربي – كما في الأوبرا الغربية مثل الكونترالتو والميتسو والسوبرانو، ويسمي الغرب هذا بالصوت الرنان، أي ستة عشر مقاما تقريبا، وهي مساحة واسعة غنية بألوان الجمال الصوتي الباعث على الطرب والدهشة. هذا ليس وهي كبيرة في قمة مجدها، ولكن في بداية عهدها بالغناء، فما بالنا في سنواتها الأخيرة.
وإذا تجاوزنا مقامات الصوت والنسبة بينهم وجواباته وذبذباته، فهو يتميز برخامته ونعومته وجهارته وخفوته، ويصف خبراء الأصوات والموسيقى هذا التنوع بالتفرد الفذ، كأنه صوت مرسوم بطريقة هندسية يبهر من يراها ويسمعها في وقت واحد. هذا بالإصافة الى أن تميز صوتها الاستثنائي يعود الى عناصر عدة، نقولها باختصار وهي المساحة الصوتية حيث تصل لديوانين كاملين. ثم التملك من الصوت، وهو عنصر مهم حيث مكنتها حنجرتها من تقديم ما يسميه الموسيقيون بـ»الزخرفات والتحليات الغنائية» وهي تحليات تصل إلى حد الإعجاز. ومنها أيضا القوة الصوتية، بدليل أغنية «حيرت قلبي معاك» شعر أحمد رامي وتلحين رياض السنباطي، فقد كان الميكروفون بعيدا عنها حوالي متر وأعلى من مستوى وجهها بنصف متر، حيث غنت على الطبقات العليا وهي ترجع إلى الوراء حوالي متر أيضا. أضف الى هذا طول وقت الغناء بمعنى قدرتها على الغناء لحوالي أربع ساعات، في حين أن أطول الأوبرات في تاريخ الغناء الغربي هي أربع ساعات وان أطول دور غنائي كامل في هذه الأوبرات لا يتعدى 40 دقيقة على مدى الساعات الأربع، وأن أطول مرحلة منفردة لا تتعدى 15 دقيقة. ومن هنا ندرك جميعا ما لهذه الظاهرة الصوتية من قدرة وجمال. ومن دلالات هذه القدرة الاستمرار في الغناء والعطاء لمدة 60 عاما تقريبا (1913 -1973)، فلم نر مثيلا في تاريخ الغناء في العالم من يستطع الغناء طوال هذه الفترة الزمنية باستثناء أم كلثوم.
وللحديث بقية عن روائع لقاء القمم وإيمانهم بأداء كوكب الشرق وقدرتها علي التعبير بمعاني كلماتهم وألحانهم.

قبل الأخير..

على مدى 76 عاما، أبدع الكاتب المصري الراحل محفوظ عبد الرحمن الكثير من أشهر الدراما المصرية والعربية، مثل «القادسية» و«بوابة الحلواني» و«أم كلثوم» و«حليم» و«ناصر 56» و«سليمان الحلبي» و«ليلة سقوط غرناطة» و«ساعة ولد الهدى»و«ليلة مصرع المتنبي» و«الكتابة على لحم يحترق» و«الفرسان يغمدون سيوفهم» وغيرها. ولذا تسارع المصريون ليحملوا جثمانه الى مثواه الأخير بعد رحلة مع المرض أرهقته. كان محفوظ عبد الرحمن واحدا من أبرز كتاب الدراما التاريخية المصرية والعربية، وصاحب البصمات والعلامات الفنية التي ستظل خالدة للاجيال في التليفزيون والمسرح والسينما والإذاعة.
لقد اقتربت مؤلفات محفوظ عبد الرحمن من الأعمال الفكرية والتاريخية، وهو ما حاول الراحل التركيز عليه، حيث ترك دراما الحياة اليومية لغيره من الكتاب والمؤلفين، فهو عشق التاريخ، وهو ما جعله يبدع في الكتابة عنه لينقله للقراء والمشاهدين بسلاسة.
في كل مهنة عمالقة ومندسين، ويشهد التاريخ وأعمال محفوظ عبد الرحمن، أنه واحد من عمالقة الكتابة للدراما التاريخية، وأحد أعمدتها ومن شدة حرصه علي فنه وعطائه ابتعد دائما عن عالم الأضواء لغيره من المجهولين، فحافظ على القمة بتاريخه وحرفيته العالية، وهي قمة تربع عليها بلا منافس، لأنه واحد من كبار الأدباء والمفكرين، الذين تركوا أثرا كبير في الوطن العربي.
لم يكن محفوظ عبد الرحمن مجرد كاتب ومؤلف درامي، فكان أيضا من أبدع كتاب مقالات النقد، إذ بدأ حياته العملية صحفيًا في مؤسسة دار الهلال المصرية التي تصدر مجلة الهلال ومجلة المصور، ليعمل بعدها في وزارة الثقافة، ليترك لنا تراثه الفني والثقافي في العديد من الصحف والمجلات المصرية والعربية منها: الجمهورية، الأهرام، البيان اﻹماراتية، العربي.

رحم الله محفوظ عبد الرحمن وأسكنه فسيح جناته..

كاتب ومحلل سياسي بحريني