
جيفري ساكس
في الأسابيع الأخيرة، اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاروه إيران بكونها منبع الإرهاب في الشرق الأوسط. ومن ناحية أخرى، فرض الكونجرس الأمريكي على عقوبات جديدة ضد إيران. ولكن الصورة الكاريكاتورية لإيران بوصفها «رأس حربة» الإرهاب العالمي، ليست منحرفة وشاذة فحسب، بل هي أيضاً بالغة الخطورة، لأنها ربما تُفضي إلى اندلاع حرب أخرى في الشرق الأوسط.
في واقع الأمر، يبدو أن هذا هو هدف بعض المتهورين المغامرين في الولايات المتحدة، على الرغم من حقيقة واضحة مفادها أن إيران تقف على نفس الجانب الذي تقف عليه الولايات المتحدة في معارضة تنظيم (داعش). وإيران فضلا عن ذلك ديمقراطية عاملة، خلافا لأغلب خصومها الإقليميين. ومن عجيب المفارقات أن تصعيد الخطاب الأمريكي جاء بعد يومين فقط من الانتخابات الإيرانية في التاسع عشر من مايو، إذ تمكن المعتدلون بقيادة الرئيس الحالي حسن روحاني من إلحاق الهزيمة بخصومهم المتشددين في صناديق الاقتراع.
ربما يرى ترامب في مناصرة حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ومعاداة إيران مجرد عرض أعمال آخر. فقد ابتهج إزاء قرار شراء ما قيمته 110 بلايين دولار أمريكي من الأسلحة الأمريكية الجديدة، واصفا الصفقة بأنها «فرص عمل، فرص عمل، فرص عمل»، وكأن السبيل الوحيد المربح لتشغيل العمالة الأميركية لابد أن يمر عبر إذكاء نيران الحروب.
الواقع أن خطاب إدارة ترامب الفارغ المبتذل ضد إيران ليس مستغرباً. فالسياسة الخارجية الأمريكية ملطخة بقمامة حروب أجنبية سخيفة ومأساوية ومدمرة إلى حد كبير ولم تخدم أي غرض حقيقي غير السعي وراء تيار مضلل من الدعاية الرسمية. فكيف يمكن بغير هذا في النهاية تفسير تورط أمريكا العقيم الباهظ التكلفة في فيتنام، وأفغانستان، والعراق، وسوريا، وليبيا، واليمن، والعديد من الصراعات الأخرى؟
ترجع عداوة أمريكا المناهضة لإيران إلى الثورة الإسلامية التي اندلعت في البلاد في العام 1979. وفي نظر عامة الأمريكيين، تشكل محنة موظفي السفارة الأميركية الذين احتُجِزوا رهائن لمدة 444 يوماً من قِبَل طلاب إيرانيين متطرفين صدمة نفسية لم تخمد بعد. فقد هيمنت دراما الرهائن على وسائل الإعلام الأميركية من البداية إلى النهاية، الأمر الذي أدى إلى نوع من إجهاد ما بعد الصدمة العامة أشبه بالصدمة الاجتماعية التي أحدثتها هجمات الحادي عشر من سبتمبر بعد جيل.
في نظر أغلب الأمريكيين، آنذاك والآن، كانت أزمة الرهائن ــ والثورة الإيرانية في حد ذاتها ــ حدثاً مفاجئاً تماماً وغير متوقع على الإطلاق. ومن الواضح أن قِلة من الأمريكيين يدركون أن الثورة الإيرانية جاءت بعد ربع قرن من تآمر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والمخابرات البريطانية في العام 1953 للإطاحة بالحكومة المنتخبة ديمقراطيا في البلاد وتنصيب دولة بوليسية تحت حكم شاه إيران، بهدف الإبقاء على السيطرة الأنجلو أمريكية على النفط الإيراني، الذي كان مهددا بالتأميم. كما لا يدرك أغلب الأميركيين أن أزمة الرهائن عجل بحدوثها القرار الأمريكي غير المدروس بالسماح بدخول الشاه المخلوع إلى الولايات المتحدة لتلقي العلاج الطبي، والذي اعتبره العديد من الإيرانيين تهديدا للثورة.
أثناء إدارة ريجان، دعمت الولايات المتحدة العراق في حربه ضد إيران، بما في ذلك استخدام العراق للأسلحة الكيميائية. وعندما انتهى الاقتتال أخيرا في العام 1988، أتبَعَت الولايات المتحدة ذلك بفرض عقوبات مالية وتجارية على إيران، والتي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا. ومنذ العام 1953، اعترضت الولايات المتحدة سبيل حكم إيران لذاتها ومارست العمل السري للحيلولة دون تمكينها من تعزيز جهود التنمية الاقتصادية، ودعمت الحكم الاستبدادي خلال الفترة 1953-1979، وقدمت المساعدات العسكرية لأعدائها، فضلا عن العقوبات التي فرضتها عليها والتي دامت عقودا من الزمن.
ويتمثل سبب آخر وراء معاداة أمريكا لإيران في دعم إيران لحزب الله وحماس، الخصمين المسلحين لإسرائيل. وهنا أيضا، من الأهمية بمكان أن نفهم السياق التاريخي.
في العام 1982، غزت إسرائيل لبنان في محاولة لسحق الفلسطينيين المتشددين العاملين هناك. وفي أعقاب تلك الحرب، وعلى خلفية المجازر التي ارتكبت تحت رعاية قوات الاحتلال الإسرائيلي، أيدت إيران تشكيل حزب الله لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. وعندما انسحبت إسرائيل من لبنان في العام 2000، بعد ما يقرب من العشرين عاما من الغزو الأصلي، تحول حزب الله إلى قوة عسكرية وسياسية واجتماعية هائلة في لبنان، وشوكة مستديمة في خاصرة إسرائيل.
كما تدعم إيران حركة حماس، الجماعة التي ترفض حق إسرائيل في الوجود. وبعد عقود من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المستولى عليها في حرب عام 1967، وتوقف مفاوضات السلام، هزمت حماس حركة فتح (الحزب السياسي التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية) في صناديق الاقتراع في انتخابات العام 2006 للبرلمان الفلسطيني. وبدلا من الدخول في حوار مع حماس، قررت الولايات المتحدة وإسرائيل محاولة سحقها، بما في ذلك من خلال حرب وحشية في غزة العام 2014، والتي أسفرت عن مقتل عدد كبير من الفلسطينيين، وقدر هائل من المعاناة، وإهدار البلايين من الدولارات نتيجة للأضرار التي لحقت بالمساكن والبنية الأساسية في غزة ــ ولكن كما هو متوقع لم يُفضِ كل هذا إلى أي تقدم سياسي على الإطلاق.
كما ترى إسرائيل في البرنامج النووي الإسرائيلي تهديداً وجودياً. وقد سعى المتشددون في إسرائيل مراراً وتكراراً إلى إقناع الولايات المتحدة بمهاجمة المنشآت النووية في إيران، أو على الأقل السماح لإسرائيل بالقيام بذلك. ومن حسن الحظ أن الرئيس باراك أوباما قاوم ذلك التوجه، وأصر على التفاوض للتوصل إلى معاهدة بين إيران والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (بالإضافة إلى ألمانيا) والتي تسد الطريق على إيران وتحول دون تمكينها من تصنيع الأسلحة النووية لمدة عشر سنوات أو أكثر، الأمر الذي أفسح المجال لمزيد من تدابير بناء الثقة على الجانبين. ولكن يبدو أن ترامب وبعض حلفائه في الشرق الأوسط عازمون على تدمير أي احتمال لتطبيع العلاقات ينشأ عن هذا الاتفاق المهم الواعد.
من الحماقة الشديدة أن تسمح القوى الخارجية بالتلاعب بها وحملها على الانحياز إلى طرف أو آخر في صراعات وطنية أو طائفية مريرة لا يمكن حلها إلا من خلال التسوية. فكل من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والمنافسة بين السعودية وإيران يتطلب التسوية المتبادلة ومع ذلك،يتبنى كل طرف في هذه الصراعات الوهم المأساوي المتمثل في القدرة على تحقيق النصر المطلق من دون الحاجة إلى أي تسوية أو حل توفيقي إذا كان للولايات المتحدة (أو أي قوة كبرى أخرى) أن تخوض الحرب نيابة عنها.
خلال القرن الفائت، أساءت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وروسيا فهم لعبة السلطة في الشرق الأوسط. وكل منها أهدرت الأرواح والمال والهيبة (الواقع أن الاتحاد السوفييتي أُضعِف بشِدة وربما بشكل قاتل بفِعل حربه في أفغانستان). والآن نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى عصر من الدبلوماسية التي تؤكد على التسوية والحلول الوسط وليس جولة أخرى من الشيطنة وسباق التسلح قد تدفع بنا بسهولة كبيرة إلى الكارثة.
أستاذ التنمية المستدامة وأستاذ سياسات
الصحة والإدارة في جامعة كولومبيا