
جمال زويد
في العام 1948، في أعقاب احتلال فلسطين واغتصاب أراضيها وتهجير أبنائها، واشتغال آلة الذبح والفتك في أهلها والبدء في تهويدهـــا. وأمـــام عنف المقاومة التي أبداها الشعب الفلسطيني وشدّة الرفض لهـــذه الجريمة البشعة والمؤامرة الدنيئة على أرض الإسراء والمعراج، في تلك الأثناء أطلقت جولدا مائير رئيسة وزراء العدو الصهيوني السابقة (أيام النكبة) آنذاك مقولة شهيرة، هي: «غداً يموت الكبار وينسى الصغار».
أرادت من خلالها أن تهدّأ من روْع الصهاينة المحتلين وتخفف عليهم فعلتهم وتبث فيهم الاطمئنان أنه في المستقبل سينشأ جيل آخر سيعيش الأمر الواقع ويرضى به، وسينسى جريمتكم، وسينقطع عن ماضيه بموت آبائه وفناء أجداده.
كانت تبشّرهم بمقولتها المشؤومة تلك أن هؤلاء الصغار لن يجدوا فـــي إعلامهم أو تربيتهم أو تعليمهم أي رافد لماضيهم، سنغيّـــر فكرهم ومناهجهـــم، وسنمسح من عقولهم أي صلة بما حدث لفلسطيـن، سنحوّلهم مسخاً لا يعرفون عزّاً ولا يطلبون كرامة.
ثم مضت السنون تلو السنين، كرّس الصهاينة فيها احتلالهم، استولوا على الأرض بمكوّناتها، بنوا دولتهم وأقاموها على الثرى الفلسطيني الطاهر، اعترف بهم العالم، وقبِلوا باحتلالهم، بسطوا نفوذهم السياسي والاقتصادي. واطمأنوا أن وجودهم وكيانهم غيــر مهدّد، وأن حدودهم آمنة ومحمية، وأن مدينـــة القدس بالذات أصبحــت ملكاً خاصاً وعاصمة أبديـــة لهم، يتحكموا فيها كيفما شاؤوا.
الجبروت والوحشية الصهيونية هي عنوان كل العقود الفائتة التي أعقبت نكبة الاحتلال. ساعد أيضاً على تعاظم هذا الجبروت وترسّخ دولة الاحتلال تجليات الانكسار والهوان العربي والإسلامي ، وحالة الانهزام وضياع (البوصلة) ومهاوي الانقسام والتشظّي التي عزلت -أو كادت- فلسطين عن محيطها العربي وعمقها الإسلامي.
على أنه بالرغم من كلّ التعتيم والتغريب والتجهيل والتنكيل وما شابه ذلك من معاول أرادوا بها تحقيق مقولتهم «غداً يموت الكبار وينسى الصغار» إلاّ أنهم اكتشفوا أن تحققها بعيد المنال، وأن هؤلاء الصغار أصبحوا اليوم أبطال المقاومة وعناوينها، وحاملي رايات العز والتحرير، هؤلاء الذين تعمل لهم الآن دولة الاحتلال ألف حساب وحساب بعدما اكتشفوا أنهم هم القلب النابض في فلسطين وعماد انتفاضتها ضد الظلم والقمع، ومشاعل الفخر والإباء في أرض الرباط والمحشر.
فالصغار الذين ظنوهم سينسون فلسطين، هم الذين يدافعون عن الأقصى وبقية المقدّسات. بل بلغ من خوف الصهاينة من هؤلاء الصغار أنهم صاروا يمنعونهم من دخول الأقصى يوم الجمعة. وكانت النسبة الغالبة من المرابطين في الأيام الفائتة حول الأقصى وأكنافه احتجاجاً على الإجراءات والقيود الصهيونية على المسجد الأقصى، هم من هؤلاء الصغار الذين كانت جولدا مائير في العام 1948 تتوقع نسيانهم لأرضهم السليبة قبل أن يكتشف الصهاينة بطلان مقولتها، وأنها كانت أقرب إلى عالم الأحلام، ورأوا أن المسلمين عموما والفلسطينيين خصوصاً مثل (أسطورة) طائر الفينق، يموت ويحترق لكنه سرعان ما يُبعث مجدّداً من تحت الرماد.
سانحــة:
من الإنجازات والبطولات التي حققها هؤلاء (الصغار)، العملية التي نفّذها مؤخراً الشاب الفلسطيني عمر العبد، البالغ من العمر (20) عاماً فقط. إذ قام بتنفيذ عملية طعن في مستوطنة حلميش بالضفة الغربية، أسفرت عن مقتل (3) من المستوطنين الصهاينة وإصابة آخر. وما زالت أصداء تلك العملية تتردّد في جميع المستوطنات الصهيونية، إذ يظهر لبعضهم الشاب عمر العبد حتى في أحلامهم ويتصوّرونه يخرج لهم بسكّينته من جدران بيوتهم.
الشاب الصغير عمر العبد كتب وصية مؤثرة قبيل تنفيذه للعملية، مما جاء فيها: «كنت أعشق الحياة لرسم البسمة على وجوه الناس، لكن أي حياة هذه التي يقتل فيها نساؤنا وشبابنا ويدنس أقصانا مسرى حبيبنا ونحن نائمون، متسائلاً: أليس من العار علينا الجلوس يامن سلاحكم صدئ؟ ألا تخجلون من أنفسكم؟» ثم تابع قائلا: «أنا ذاهب إلى هناك وأعلن أني لن أعود إلى هنا».
حقاً مات الكبار لكن لم ينسها الصغار.
كاتب بحريني