ضفة أخرى للتكامل الأوروبي الأطلسي

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠٢/أغسطس/٢٠١٧ ٠٤:٢٥ ص
ضفة أخرى للتكامل الأوروبي الأطلسي

خافيير سولانا

كثير من الناس يساوون الاتحاد الأوروبي مع أوروبا، مع تجاهل بعض الفوارق البسيطة. من وجهة نظر تاريخية، من الواضح أن الاتحاد الأوروبي، بعد أن ساهم في إنهاء قرون من الحرب والصراع العنيف بين دوله الأعضاء، يجسد في الوقت الحاضر نقيض أوروبا ما قبل العام 1945. ومن الناحية الجغرافية، فقد مكنته التوسعات المتتالية من عكس صورة المساحة الكاملة للقارة الأوروبية، بشكل أوثق. وقد ميزت ديناميتان رئيسيتان مسار الاتحاد الأوروبي على مر السنين، وموقف الجماعات الأوروبية من قبل. فمن ناحية، أصبح التكامل الأوروبي أعمق، ومن ناحية أخرى، اتسع نطاق فوائد الاندماج ليشمل عددا متزايدا من الدول. وأدى سقوط جدار برلين في العام 1989 إلى المزيد من الفرص والتحديات الرئيسية. ومع انهيار الشيوعية، اختفت أوروبا المقسمة التي نشأت في يالطا، ولم يعد التوسع في الاتحاد الأوروبي يقتصر على الدول المنتمية إلى المدار الغربي.

لكن المنظمة الأولى التي تولت المهمة الحساسة المتمثلة في إدماج أوروبا الغربية والشرقية هي منظمة حلف شمال الأطلسي. في العام 1997، قبل عامين من أن تصبح الجمهورية التشيكية وهنغاريا وبولندا أعضاء كاملة، توصل التحالف إلى اتفاق مع روسيا -ما يسمى بالقانون المؤسس- لتخفيف أثر التصادم. ويمثل هذا الاتفاق نهاية حقيقية للحرب الباردة. وفي العام 2004، انضمت تلك البلدان إلى الاتحاد الأوروبي، إلى جانب سبعة بلدان أخرى.

وكما قال ألتييرو سبينيلي في أوائل الأربعينيات، كان على الحركة الموالية لأوروبا أن تجد «حلا لا يتجاهل المشاعر الوطنية، بل يتيح وسيلة لظهورها دون قيود». وبالنسبة للبلدان التي كانت تحت سيطرة الاتحاد السوفييتي، يمثل الاتحاد الأوروبي -بالإضافة إلى ضمان الديمقراطية وحقوق الإنسان- طريقا لتحقيق الإعمال الحقيقي لتطلعاتها الوطنية.
وبعد اختفاء الستار الحديدي، كانت المملكة المتحدة وألمانيا التي أعيد توحيدهما هما الدافعان الرئيسيان لاتجاه الاتحاد الأوروبي نحو الشرق، رغم اختلاف دوافعهما. وبينما رأى المحافظون البريطانيون التوسع كوسيلة لإبطاء تعمق الاندماج، اعتبر المستشار الألماني هلموت كول أن كلا من الديناميات متوافقة. وهكذا ظلا، حتى في القرن الحادي والعشرين.
ولسوء الحظ، فقد أثارت النتائج في استفتاءين من الاستفتاءات الأربعة بشأن دستور الاتحاد الأوروبي المقترح، الذي عقد بعد سنة من توسع الاتحاد «الانفجار الكبير» للعام 2004، شكوكا بشأن هذا التوافق. إن الإيحاء أن «السباكين البولنديين» سيعملون على سرقة وظائف السكان المحليين، مهما كان غير مبرر ومهين، لكنه خلف صدى عميقا للغاية، خاصة في فرنسا، إذ قام الفرنسيون والهولنديون على حد سواء برفض المشروع الدستوري الطموح. وقد ترك هذا الإخفاق الاتحاد الأوروبي مشوشا، وقد خفف بشكل مؤقت بسبب توقيع معاهدة لشبونة. ومن المفارقات، أن عبارة «السباكين البولنديين» ظهرت مجددا بعد أكثر من عقد من الزمان، خلال حملة الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وفي المملكة المتحدة التي دعمت توسع الاتحاد، استخدم العمال من أوروبا الوسطى والشرقية ككبش فداء في حملة الانفصال عن الاتحاد الأوروبي. ولكن هناك مفارقات تثور في وسط وشرق أوروبا أيضا. بولندا على سبيل المثال، وبفضل مصالحها مع ألمانيا، استحوذت على دور قيادي في المجتمع الأوروبي الأطلسي، وحولت المحور الفرنسي الألماني إلى «مثلث فايمار». وكانت الفوائد التي حصلت عليها بولندا من إعادة وضعها الجغرافي السياسي مثيرة للإعجاب، حتى حين تمت مقارنة بيانات الاقتصاد الكلي مع بيانات بلد مثل أوكرانيا، التي اتبعت مسارا مختلفا للغاية بعد انهيار الشيوعية. وفي العام 1990، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في أوكرانيا أعلى من الناتج المحلي الإجمالي في بولندا، لكن بحلول العام 2016، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في بولندا أعلى بأربع مرات تقريبا من الناتج المحلي الإجمالي في أوكرانيا. ويستند نموذج الاتحاد الأوروبي إلى سلسلة من الالتزامات الأساسية التي يجب احترامها. فقد كانت هذه الالتزامات بالتحديد ما جذب دول الكتلة السوفيتية السابقة إلى التماس العضوية. ومن الواضح أن كل تقدم اجتماعي وسياسي له جانب سلبي، ولكن بنفس القدر، حتى صعود القومية والشعبية له جانب إيجابي. من خلال وضع نفسه ضد كل من هذه القوى، وإيجاد خطاب جديد يستجيب لأولويات المجتمع الأوروبي الحالية، يمكن للاتحاد الأوروبي استعادة شرعيته وازدهاره. ويمكننا القول إن مستقبل أوروبا يعتمد عليه.

ممثل الاتحاد الأوروبي الأعلى
السابق لشؤون السياسة الخارجية والأمن