درس آخر من اليابان

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٢٦/يوليو/٢٠١٧ ٠٤:٠٥ ص
درس آخر من اليابان

ستيفن روتش

يبدو أننا أصبحنا الآن في مواجهة حلقة أخرى في سلسلة طويلة من مفاجآت التضخم السلبية. ففي الولايات المتحدة، اتجه ما يسمى مؤشر أسعار المستهلك الأساسي (الذي يستثني الغذاء والطاقة) إلى الانخفاض عندما كان المفترض أن يرتفع. على مدار الأشهر الثلاثة التي انتهت في مايو، ظل مؤشر أسعار المستهلك الأساسي بلا تغيير تقريبا، فثبت عند مستوى أعلى بنحو 1.7 % فقط عن مستواه قبل عام. وفي اقتصاد الولايات المتحدة الذي يفترض على نطاق واسع أنه يقترب من تحقيق التشغيل الكامل للقوى العاملة، يأتي هذا كنداء إيقاظ خشن وخاصة بالنسبة لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الذي سلك كل مسلك لإعادة التضخم إلى مستوى 2 % المستهدف. وفي منتصف الطريق حول العالَم، تتوالى فصول قصة مماثلة في اليابان. ولكن في الاقتصاد الياباني الميال إلى الانكماش، تأتي هذه القصة في هيئة أشد قسوة.

على مدار شهر أبريل، كان مؤشر أسعار المستهلك الأساسي في اليابان ثابتا تقريبا نسبة إلى مستواه في العام السابق، مع نتائج مماثلة واضحة في مايو لمنطقة طوكيو الكبرى. وبالنسبة لبنك اليابان، الذي التزم بترسانة غير مسبوقة من الأسلحة السياسية غير التقليدية لإنهاء فترة انكماش بنسبة 16.5 % دامت تسعة عشر عاما، من 1994 إلى 2013، لم يكن هذا مجرد نداء تنبيه خشن، بل هو موقف محرج يكاد يقترب من كونه هزيمة. وتتخذ هذه القصة أبعادا عالمية. صحيح أن هناك بعض الاستثناءات وهي على وجه التحديد المملكة المتحدة، إذ تعمل ضغوط العملة وتشوهات العطلة لمرة واحدة على تعزيز التضخم الأساسي مؤقتا إلى 2.4 %، وماليزيا إذ تسبب إلغاء إعانات دعم الوقود في تعزيز التضخم الرئيسي، ولكنه ترك الأساس ثابتا عند نحو 2.5 %. ولكنها استثناءات في عالَم كان ليصبح لولاها بلا تضخم على الإطلاق.
وتُظهِر أحدث توقعات صندوق النقد الدولي صحة هذا. فرغم الثبات المتواضع لنمو الاقتصاد العالمي، من المتوقع أن يكون التضخم في الاقتصادات المتقدمة أعلى قليلا في المتوسط من 2 % في الفترة 2017-2018.
كُتِب الفصل الأول في هذه القصة قبل سنوات عديدة في اليابان. فمن فقاعات الأصول وفرط الاستدانة إلى قمع العملة وضعف الإنتاجية، تشهد تجربة اليابان -مع امتداد العقد الضائع الآن إلى ربع قرن من الزمن- على كل ما قد يقع من أخطاء في الاقتصادات الكبيرة الثرية.
بيد أن الدرس الأشد عمقا يتلخص في سلسلة من الأخطاء السياسية التي ارتكبها بنك اليابان. فلم يقتصر الأمر على التيسير النقدي المتهور الذي مهد الطريق أمام زوال اليابان، بل تسبب البنك المركزي في البلاد في زيادة المشكلة تعقيدا من خلال خفض أسعار الفائدة الرسمية إلى حد الصِفر (بل وأقل من ذلك)، وتبني التيسير الكمي، والتلاعب بأسعار الفائدة الطويلة الأجل على أمل إنعاش الاقتصاد. وقد تسبب هذا في إيجاد نوع من الاعتماد غير الصحي الذي لا يوجد مَخرَج سهل منه.
ورغم أن تجربة اليابان منذ أوائل تسعينيات القرن العشرين تقدم لنا العديد من الدروس، فشلت بقية دول العالم بشكل بائس في الانتباه إلى هذه الدروس. فكُتِبَت مجلدات، وعُقِدَت ندوات لا حصر لعددها، وبُذِلَت وعود شهيرة من أمثال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي السابق بن برنانكي بعدم تكرار أخطاء اليابان أبدا. ورغم ذلك، سارعت بنوك مركزية رئيسية أخرى وخاصة بنك الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي، إلى ارتكاب نفس الأخطاء مرارا وتكرارا، وكانت العواقب وخيمة.

عضو هيئة التدريس في جامعة ييل ورئيس مورجان ستانلي في آسيا سابقا