الموقف العُماني الثابت..!!

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٦/يوليو/٢٠١٧ ٠٤:٠٠ ص
الموقف العُماني الثابت..!!

علي ناجي الرعوي

لم يكن الموقف المتزن والمتعقل الذي اتخذته السلطنة من الأزمة التي تشهدها المنطقة مفاجئا أو غريبا أو متعارضا ومتناقضا مع تقاليد السياسة العمانية الثابتة والمبدئية والتي ظلت محافظة على نهجها المتماسك في أشد المنعطفات والهزات التي مرت بها المنطقة فهي التي لم يختل ميزانها أو توازنها في حرب الخليج في مطلع تسعينيات القرن الفائت وما تلاها من حرب الخليج الثانية امتدادا إلى غزو أفغانستان ثم العراق أو في أعقاب أحداث سبتمبر 2001 وتدافع الأحداث في المنطقة في إطار إعلان الرئيس بوش الحرب على الإرهاب وصولا إلى عاصفة (الربيع العربي) والتي خلفت وقائع وتحديات جديدة في معطيات المجتمع العربي والعلاقات بين أقطاره، إذ بقيت عُمان تمثل صوت الاعتدال الذي يعظم القواسم المشتركة وما يجمع بين الأشقاء وما يخفف من حدة التباينات واتساع الشقة واضطرابات الأولويات في علاقات التعاون بين الأقطار العربية أو مع جيرانها أو علاقاتها مع دول العالم.

كان من الطبيعي أن نرى في منهج المادة الإعلامية التي تابعت تطورات الأزمة الخليجية من يجتهد في تحليل المواقف واقترابها أو ابتعادها من هذا الطرف أو ذاك وعلى كثرة هذه التحليلات فإنها التي لم تتفق على شيء كاتفاقها على حيوية الموقف العماني وتمتعه بأعلى نسب الصواب بما يؤهله إلى القيام بدور الوسيط في هذه الأزمة واحتوائها خصوصا وأن عمان طالما نجحت بطريقتها وأسلوبها الخاص في احتواء الكثير من الخلافات داخل مجلس التعاون الخليجي وخارجه ولمعرفة الجميع أيضا أن حالة الهدوء العماني وموقف السلطنة المتوازن قد جعلها متحررة من الضغوطات والاحتقانات ومتصالحة مع ذاتها ومع الآخرين ومن هذه الإرادة السياسية المتعقلة والراشدة فلم تكتف السلطنة بالتزامها موقف الحياد من هذه الأزمة وعدم الاصطفاف إلى جانب هذا الطرف أو ذاك وإنما سارعت إلى التحرك لدعم الوساطة والجهود التي يقوم بها أمير دولة الكويت من أجل رأب الصدع وحل الأزمة بالحوار والتواصل الأخوي ومن خلال هذا الموقف فقد أمكن لعمان إسماع الأشقاء في مجلس التعاون صوت الحكمة الذي يدعوهم إلى التركيز أولا على إطفاء الحريق والانشغال بهذه المهمة قبل أي شيء آخر على اعتبار أن واجب الوقت يقتضي من جميع العقلاء على ندرتهم في زماننا محاصرة أي حريق قد يشب سيما في هذه اللحظة التي تموج فيها المنطقة بأكملها بالخصومات والتضاد والتنافي المتبادل والتمايز الحدي.

موقف عمان كان بحق هو الموقف الصحيح الذي يجب اتخاذه إذا ما أخدنا بعين الاعتبار الانعكاسات الخطرة لأي انقسامات في الرؤى داخل البيت الخليجي والتي من شانها أن تفتح المجال أمام أطراف خارجية لها توجهاتها ومصالحها لتحقيق مآربها في منطقة الخليج التي كانت حتى أمس القريب هي المنطقة الوحيدة المستقرة والمتماسكة في المشرق العربي بعد أن نجح مجلس التعاون إلى حد ما في احتواء الخلافات داخله والحيلولة دون انفراط هذا المجلس طوال العقود الثلاثة الفائتة.. وانسجاما مع هذه الخصوصية لا بد أن يذكر لسلطنة عمان أنها من بادرت منذ اليوم الأول للتحرك في أكثر من اتجاه من أجل التخفيف من تداعيات هذه الأزمة ومنع تدويلها، إذ عملت جنبا إلى جنب مع الأشقاء في دولة الكويت على محاصرة الخلاف في نطاقه الخليجي، كما قامت عبر القنوات الدبلوماسية بتهدئة الخواطر وتقريب وجهات نظر الفرقاء والحد من زيادة حدة الاستقطابات داخل مجلس التعاون وبين أعضائه.
غني عن القول إن السلطنة تشكل حالة تكاد تكون نادرة في شرق أوسطي طافح بالأزمات والحروب والصراعات والانتماءات المضادة لهذا المعسكر أو ذاك فعمان رغم أنها عضو أصيل ومؤسس في مجلس التعاون الخليجي إلا أن مواقفها ظلت تتميز بالاستقلالية مع عدم التفريط بكل ما يتطلب العمل في نطاق العمل الجماعي وانطلاقا من هذه الروح لم تترك عمان لعضويتها في مجلس التعاون أن تبتعد بها عن سياسة الحكماء التي أسسها السلطان قابوس منذ استلامه مقاليد الحكم بل على العكس من ذلك فقد استطاعت من خلال سياستها المتوازنة القيام بدورها الفاعل في تقريب وجهات النظر داخل البيت الخليجي أو بين دول الخليج ومحيطه الإقليمي وإقناع الآخرين عبر العديد من المحطات العملية أنها من خلال هذه السياسة العقلانية قد أمكن لها تأدية رسالتها في خدمة قيم السلام ونبذ الصدام وإطفاء الحرائق المشتعلة وإبقاء باب الحوار مفتوحا مع جميع الأطراف.

وهنا يجدر بنا أن نشير إلى أن عمان بدبلوماسيتها التوفيقية قد نجحت في حلحلة الكثير من الأزمات والملفات الإقليمية الشائكة وهو ما تجلى ليس فقط في دورها المشهود الذي أفضى إلى إبرام الصفقة الكبرى بين الدول الغربية وطهران حول الملف النووي وإنما هو الذي يمتد إلى العديد من الأزمات والملفات الأخرى لعل أبرزها الملف اليمني، إذ ظلت مسقط منفتحة على طرفي الصراع وفريق الأمم المتحدة المعني بمتابعة هذا الصراع والذي كان ولا يزال يرى في عمان أرضا محايدة وفي العمانيين وسيطا نزيها ومقبولا لدى اليمنيين كافة وإلى جانب هذا الدور ما انفكت عمان تسعى جاهدة للمساعدة في إيجاد حل سياسي للأزمة في سوريا والاحتراب في ليبيا وغيرها، ولا شك أن هذا المسار الذي سلكته السلطنة قد جنبها التورط في مثالب تمزيق الصف العربي وتبديد إمكانياته كما هو حال كثير من العرب الذين لا نملك تفسيرا مع الأسف يوضح لنا كيف تكون مواقفهم التي تغذي الصراعات في صالح العرب لكن من يقول ذلك هو من يملك التفسير.

لا مناص أننا حينما نتحدث عن دبلوماسية دولة كعمان فإننا نتحدث عن دبلوماسية قلما تجدها في دول الإقليم من أهم سماتها المميزة والرئيسية أنها التي ترفض الاصطفاف في أي أزمة وراء شق ضد آخر خاصة إذا كان الشقان أقرب ما يكون بعضهما من بعض وبعضهما لبعض وليت العرب يتعلمون من عمان هذه العقلانية ليبقى الحوار سبيلنا والعقل حاكما بيننا.

كاتب يمني