الصين ولغز السياسة النقدية

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٠٣/يوليو/٢٠١٧ ٠٤:٤٥ ص
الصين ولغز السياسة النقدية

زانج جون

مثَّل ضعف الطلب أحد المعوقات التي يواجهها النمو الاقتصادي في الصين، ولا تكمن المشكلة الحقيقة في ندرة الموارد المالية: فالمعروض النقدي العريض (مؤشر) يتجاوز الآن 155 تريليون يوانًا صينيًا (أي ما يعادل 25 ترليون دولارًا أمريكيًا) أو 200% من الناتج المحلي الإجمالي، ويواصل هذا المعروض نموَّه بنسبة 12-13% سنويًا. وبالأحرى، فإن التباطؤ الاقتصادي الحالي يعكس مدى تأثير القيود المالية على الاقتصاد الحقيقي -وهي مشكلة سيكون من الصعب علاجها في المستقبل القريب.

ومن المفارقة أن هذه القيود المالية أصبحت محكمةً إزاء خلفية من النمو القوي في القطاع المالي. والواقع أن الازدهار الذي يشهده القطاع المالي، والذي تحركه جزئيًا الابتكارات الموجهة نحو السوق، هو الذي دفع عجلة النمو في مؤشر م 2 للصين والأصول الائتمانية.

غير أن الاتجاه نحو تبني سياسة الإقراض خارج نطاق الموازنة العامة التي تنطوي على مخاطر أعلى يمكن ملاحظته بوضوح داخل القطاع المالي الرسمي أيضًا، ويُعزى ذلك بدرجة كبيرة إلى استخدام منتجات إدارة الثروات الابتكارية التي تحكمها قواعد تنظيمية ضعيفة، الأمر الذي يساعد المصارف التجارية على تجاوز اللوائح التنظيمية.
وحتى القروض المتداولة بين المصارف، والتي عادة ما يجري إدراجها في الموازنات العامة، قد تحولت هي الأخرى إلى «أعمال استثمارية بين المصارف» من الممكن أن توجد خارج نطاق الموازنات العامة. وقد أوضح تقرير الاستقرار المالي الصادر عن مصرف الصين الشعبي للعام 2014 أنه منذ مطلع العام 2009 وحتى نهاية العام 2013 ارتفعت أصول المؤسسات المصرفية المتداولة بين المصارف من 6.21 ترليون يوانًا صينيًا إلى 21.47 ترليون يوانًا صينيًا. وقد سجل معدل النمو هذا البالغ 246% 1.8 أضعاف إجمالي الأصول و1.7 أضعاف إجمالي القروض في الفترة ذاتها، في الوقت ذاته شهدت الخصوم المتداولة بين المصارف زيادة بنسبة بلغت 236% -بوتيرة أسرع بـ1.7 مرة من إجمالي الخصوم و1.9 مرة من إجمالي خصوم الودائع.
وبطبيعة الحال، فقد استفادت المصارف من الأرباح السريعة التي حققتها من التعاملات خارج نطاق موازناتها، وقد شجعت هذا الأرباح المصارف ونظيراتها من المصارف الموازية على توجيه الودائع نحو الاستثمارات المالية والعقارية التي تنطوي على مخاطر كبيرة وتدرّ عائدات كثيرة، ما يؤدي بدوره إلى تعظيم فقاعات ضخمة من الأصول وازدياد التقلبات داخل الأسواق.
وتعدُّ الشركات الناشئة التي نجحت في اختراق المدن الكبرى العام الفائت بفضل مئات الملايين من الدولارات التي جرى استثمارها في صناديق رأس مال المخاطرة، مثالاً آخر على لغز السياسة المالية للصين. إن الأرباح التي يمكن أن تحققها هذه الشركات على المدى البعيد لا تبرر ببساطة التقييمات التي تحظى بها. فمن خلال الدعم الذي تقدمه المصارف الصينية الموازية لهذه الشركات، تظهر هذه الشركات كشركات مستهلكة لرؤوس أموالها عن طريق تقديم الدعم المالي لزبائنها على أمل الصمود في مواجهة منافسيها. إن المخاطر المتولدة عن هذه الأنشطة لا تمر مرور الكرام على السلطات الصينية، ذلك أن رئيس اللجنة الرقابية المصرفية للصين المعيّن مؤخرًا «جو شوكينج» قد تعهد بإنعام النظر في الأنشطة التي يجري تنفيذها خارج نطاق الموازنة العامة وإجراء مراجعة دقيقة لأصول المخاطرة. في الوقت ذاته، قام المعنيون بالرقابة على الأوراق المالية والتأمين باتخاذ إجراءات صارمة لوقف هذه الأنشطة مثل أنشطة عمليات الاستحواذ العدائية.وهذه الإجراءات الصارمة من شأنها أن تؤدي إلى إيجاد تحديات قصيرة المدى، إذ إن تشديد الإجراءات الرقابية بالإضافة إلى التدابير التحوطية على مستوى الاقتصاد الكلي قد تسبب في تدهور أسعار الأوراق المالية، كما تسبب في تعرض سوق السندات إلى صدمة كبيرة إذ ارتفعت معدلات الفائدة بينما تجاوزت معدلات التخلف عن السداد مستويات غير مسبوقة.

أستاذ اقتصاد ومدير المركز الصيني

للدراسات الاقتصادية في جامعة فودان