فنان يأبى بيع لوحاته

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٠٣/يوليو/٢٠١٧ ٠٤:٤٠ ص
فنان يأبى بيع لوحاته

تريسكا حميد

قضى عبدالوهاب فؤاد حياته تحت تهديد الحرب الدائم، إلا أنه اليوم يكرس وقته لإلهام الشباب ليرسموا. أما لوحاته الخاصة، فيعطيها للناس دون مقابل.

لطالما كان الفن وسيلة للشفاء بالنسبة لعبدالوهاب فؤاد، الرسام الكردي الذي شهد حربًا تلو الحرب. وقد سعى طوال مسيرته المهنية لتصوير الاضطراب العاطفي الذي تولّده فظائع الحرب، الأمر الذي للأسف لم يعزه لإلهام في حياته.

يأمل الفنان اليوم أن يلهم من قاسوا الحرب عبر المعارض والدروس التي يقدمها للاجئين والنازحين الشباب في مسقط رأسه كويه في إقليم كردستان العراق، وذلك لمساعدتهم في التعامل مع صدماتهم النفسية. ويقول: «الرسم قادر على نقل العناء البشري أكثر من الفرح. إذ أجد نفسي أعاني في رسم المشاهد الفرحة».
ركزت آخر لوحاته على محنة الأكراد اليزيديين الذين طالتهم حملة تطهير عرقي وحشية على يد تنظيم داعش والتي أسفرت عن مذبحة في جبال سنجار واستعباد لآلاف النساء اليزيديات.
ولد عبدالوهاب في 1949 وتخرج من مدرسة أربيل للفنون في 1973. وبعد سنتين، أصبح معلما للفن في مدارس أساسية وثانوية. أقام معرضه الأول الخاص به في أربيل عام 1976، وركزت اللوحات المائية والزيتية على موضوع «الحياة الطبيعية».
وعلق عبدالوهاب: «كانت أول مرة يُعرض فيها عملي أمام جمهور، وقد قررت حينها ألا أبيع أعمالي الفنية أبدًا».
لم يكن السبب أن عروضا لم تصله بالشراء، لكنه يفضل أن يهب لوحاته على أن يبيعها. «كنت أتلقى راتبًا من التعليم يكفيني للعيش ولإعالة أسرتي. أحيانًا، عندما تضع سعرًا على لوحة فنية، فإنك تقلل من قيمتها»، إلا أنه يعترف أن رأيه في الأمر تغير الآن بعض الشيء، لا سيما بعد تقاعده، إذ يقول:
«كنت وقتها، وما زلت إلى حد ما، أشعر أن الفن ليس مجرد خربشة على ورقة بقلم أو لون. الفن يتطلب الشعور والتفكّر والقدرة على التعبير عن ذلك في لوحة - وهذا ليس شيئًا قابلًا دائمًا للتسعير».
وفي معرض منفرد آخر له في صالة الإعلام في أربيل في 1989، شعر عبدالوهاب أنه أصبح مقبولًا كفنان وسط المجتمع الكردي. كما يتذكر أنه أعطى لوحة لزائر ألماني بلا مقابل، أعارها بدوره لمعرض في ألمانيا عن الفن الشرق أوسطي. وعلق قائلًا: «لا أتذكر المكان بالتحديد، ما زال المقال الصحفي موجوداً عندي في مكان ما». إن أسلوبه في ترك الأمور تأخذ مجراها دون تدخل قد يكون للبعض مدعاة للفزع، لكن سرعان ما يتضح أن عبدالوهاب يفضل العملية الفنية على النتيجة، إذ يقول: «عندما أنهي اللوحة وأعرضها، تنتهي القصة بالنسبة لي. أما عندما يأخذها شخص ما لبيته، تبدأ قصته هو».
يركز الفن الكردي عادة على المناظر الطبيعية للمنطقة الشمالية الخصبة، التي تزخر بالجبال والشلالات والغابات. تُرسم القرى بطريقة رومانسية، وتُبرز اللوحات المنزلية وتلك المعلقة في المطاعم الرجال والنساء بالزي الكردي التقليدي. أما أعمال عبدالوهاب فتتميز عن لوحات الطبيعة الخضراء والرسومات الشاعرية. رغم أنها تحوي مشاهد الفقدان والاضطراب، إلا أن لوحاته غنية بالألوان، لدرجة يظن معها الناظر أن اللوحة عبارة عن ضربات صعبة الفهم من اللونين الأحمر والبرتقالي. لكن، مع مزيد من التفحص، تظهر الشخصيات المسكونة داخل اللوحة. يقول عبدالوهاب: «لقد أصابتنا فواجع لا تنتهي. من حلبجة، للأنفال، لحروب الخليج، والآن داعش- ويستمر عناؤنا».
اضطُر عبدالوهاب إلى النزوح مع عائلته إلى إيران في مارس 1991 بعد نشوب حرب الخليج الأولى. «كانت رحلة شاقة ومنهكة، ولم نكن نعلم ما إذا كنا سنعود لبلادنا أم لا. استغرقت الرحلة أياما طويلة لم يكن معنا لا ماء ولا طعام، وقطعنا الجزء الأكبر من الطريق سيراً على الأقدام». أمضى أشهراً عدة في طهران لاجئًا مع زوجته وأطفاله الثلاثة، واعتمدوا على الصدقة للعيش. كانت تجربة مؤثرة فيما بعد على عمله، ألهمته لتسليط الضوء على محنة اللاجئين. بمجرد إقامة منطقة حظر جوي في المناطق الكردية في العراق، أصبح رجوع اللاجئين آمنًا وبقيت التجربة الأليمة للحروب والنزوح تشكل مادة خصبة للوحاته.
تقاعد عبدالوهاب من عمله كمعلم إلا أنه ما زال يدرّس اللاجئين اليزيديين والسوريين الرسم ويقيم معرضًا فنيًا سنويًا للمواهب الناشئة في بلدة كويه. وقد توقف اليوم عن الرسم بالألوان الزيتية، لأن «الرسم بالزيت يأخذ وقتًا طويلًا ليجف وما عاد لدي الصبر على ذلك»، ويفضل الألوان المائية والرسوم التخطيطية بينما يحاول الدخول إلى عالم وسائل التواصل الاجتماعي لنشر لوحاته، وأيضًا دون مقابل.
«أمضي معظم أيامي أرسم في الحديقة، والآن أحمّل رسوماتي على حسابي على الإنستجرام والفيسبوك»، ويردف: «وكأنه معرض مستمر». فنان يعبر عن ألمه في فنه، إلا أنه يمد الشباب الذين يعلمهم بالأمل عن طريق مساعدتهم في إيجاد أسلوبهم الخاص في التعبير عن آلامهم.

متخصصة في قضايا وشؤون الشرق الأوسط