
علي ناجي الرعوي
قيل لنا حينما كنا صغارا أنه عند تشييد بيت متين فلا بد من أن يكون له أساس صلب يتحمل أركانه ليرتفع ويظل متماسكا.. وعلمونا كذلك أنه إذا اختل أي ركن في ذلك البيت انهارت بقية الأركان وسقط ذلك البناء فوق سكانه لكن بمجرد أن كبرنا ودخلنا معترك الحياة كان أول شيء اكتشفناه هو أن ما كان يجري تلقيننا به في مدارسنا من مفاهيم ومواعظ والتي لا زال صدى بعضها يرن في آذاننا حتى اليوم لم تكن سوى مفردات تنظيرية لا وجود لها على أرض الواقع في حياة العرب واهتماماتهم وأن الأمة التي تتربع في سرة العالم وحباها الله بموقع فريد لتكون همزة الوصل بين القارات ولتتحكم في ممرات التجارة العالمية هي أمة عزلت تفكيرها عن أي بناء بل إن الحقيقة المرة أننا من وجدنا الأمة التي ننتمي إليها هي من منحت من الثروات والخيرات والموارد الطبيعية ما يبوؤها لتكون أكثر رخاء والأكثر نماء وتطورا مع ذلك فهي من تضم في ثناياها شعوبا يأكلها الفقر والعوز والجوع والحرمان والبطالة وانسداد الأمل وأن هذه الأمة بميزان الفعل غدت معطلة الإيرادات ومشلولة الذهن نتيجة الحرائق التي تحاصرها من كل جانب فضلا عن صراعات لا تنتهي وحروب تلد حروبا أخرى وخلافات لا تتوقف يتفنن الجميع في استنساخ ونشر بذورها حقبة بعد حقبة وكأن التاريخ في المنطقة العربية يعيد نفسه بأشكال مختلفة.
في 62 عاما أي بين عامي 1948 - 2010 استطاعت المنطقة العربية أن تحتجز لنفسها 18 % من الصراعات الدولية ومنذ العام 2010 وحتى اليوم تحولت إلى مساحة يرتكز فيها ربع النزاعات في العالم مع أن نسبة سكان الوطن العربي هي 5 % من مجمل السكان في العالم إذ أصبحت هذه النسبة المحدودة هي من تشغل العالم بأخبارها وحروبها المتنقلة والتي كلما هدأت وطأة إحداها عادت للاشتعال مجددا دون أن يعرف السبب الرئيسي الذي يجعل من المنطقة العربية بؤرة ملتهبة أكثر من أي منطقة أخرى على هذا الكوكب.
شخصيا لا اتفق مع التفسيرات الثقافية والمؤسسية التي تعزو الانحدار العربي إلى محض (فشل) أو خيارات خاطئة أو تخلف تنموي كما توحي تقارير التنمية العربية التي تصدرها الأمم المتحدة والتي تعد مثالا للأدبيات التي تلوم العرب على تخلفهم وتتلذذ بإبراز مقدار بعدهم عن الغرب المتقدم فهم الذين يقرأون وينتجون أقل من غيرهم و..و..الخ إذ أن مثل هذه التقارير والأدبيات لا تسعى إلى تشخيص الواقع العربي من منظور نقدي بالقدر الذي تحاول فيه وضع الإنسان العربي في حالة من الدونية والهزيمة النفسية وإيجاد الاستعداد لديه لتلقي الإرشادات من أي كان فيما الحقيقة أن النزيف الذي يعاني منه الوطن العربي يعود في المقام الأول إلى لائحة طويلة من التناقضات السياسية الفجة التي تسببت في إيصال المجتمعات العربية إلى المأزق التاريخي الراهن.
لا شك أن الخلافات العربية وسوء الفهم في العلاقات العربية - العربية يشكلان اليوم التحدي الأخطر والذي قد يفضي إلى تحولات كارثية تهدد أمن واستقرار المنطقة سيما إذا ما استمر العرب يسيرون عكس مجرى التاريخ إذ أن من المفارقة أنه وفي الوقت الذي تتجه فيه دول العالم النامي للتكتل والاتحاد في كيانات سياسية واقتصادية في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية من أجل مواجهة هيمنة الدول العظمى وسيطرتها على الاقتصاد والتجارة العالمية نجد الدول العربية تعزز الحواجز فيما بينها وتنساق في صراعات وحروب ضد بعضها البعض بفعل إخفاق حكومات هذه الدول في الاتفاق على رؤية موحدة مما أسهم في ارتهان هذه الحكومات لنسق من الاستقطابات والانحيازات لأطراف إقليمية ودولية الأمر الذي وسع الشقة بين شعوبها وأدى إلى انفراط العقد العربي وتشرذمه إلى دول متناحرة وأخرى تلتزم الحياد والنأي بالنفس وثالثة تترقب وأحيانا تدل بدلوها من أجل مصالحها الضيقة .
كشفت التطورات الأخيرة في منطقة الخليج وموقف واشنطن حيالها أن السياسة الأمريكية هي سياسة مصلحية زد على ذلك وأن هذه السياسة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب أصبحت تفتقر لأي قدر من المصداقية بسبب توجهاتها المتحولة والفاقدة للثبات وهو ما يعني أن واشنطن ستحرص على أن تلعب مع الكل طالما وأن مصالحها لن تتأثر ولن تمس من قبل المتدخلين الإقليميين في أزمة الاتجاهين المتقابلين اليوم في منطقة الخليج العربي، وإذا ما اضطرت للتدخل تحت إكراهات الحفاظ على هذه المصالح التي تشكل أولوية كبرى بالنسبة لإدارة ترامب فإن محور هذا التدخل ربما يكون مبرره التصدي لأي محاولة إيرانية للإخلال بالتوازنات في الإقليم .. ومسألة كهذه ليست مستبعدة فالولايات المتحدة ما زالت حتى اللحظة تمارس استراتيجية التصريحات المتناقضة في تعاملها مع تطورات الأزمة الخليجية سعيا منها إلى إرباك الجميع وبما يسمح لها بالوصول إلى العمق من أهدافها.
لو حاولنا استقراء خريطة المنطقة العربية سنلحظ بالتأكيد أن الأزمة الخليجية ليست الأزمة الوحيدة التي تلم بهذه المنطقة بل إن معظم ملامح هذه الخريطة هي من تعمقت فيها عوامل التقسيم والتفتيت بشكل جدي ارتساما وترسما وأن معظم الدول العربية قد تحولت إلى عبء على كينونتها الوطنية وحواضنها الجغرافية والديموغرافية هذا إن لم نصل إلى ما يفيد أن الوضع في الوطن العربي تجاوز بكثير مرحلة اللاأفق في الاستقرار والوحدة وأن النخب السياسية العربية أضحت هي الأخرى عاجزة عن تقديم مقاربة لتامين المصالح المشتركة والحيلولة دون المخاطر المشتركة أيضا ولكن وهذا هو الأهم يبقى من الواضح أن استنبات الشقاق في منطقة الخليج العربي إنما يعني في محصلته وصول الاهتزاز إلى آخر مناطق العرب حصانة من الانفجارات الأمنية الكبرى التي تشهدها أجزاء عدة من الخريطة العربية وفي ذلك مؤشر على أن العالم العربي بات عمليا على حافة الانهيار الذي وإن حدث فلن يقوم للعرب بعده قائمة. وأمام هذا المنعرج الأخير في النظام العربي فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل العرب ضحية أنفسهم؟ أم ضحية مؤامرات الآخرين؟ الواقع أن الإجابة على هذا السؤال ليست تلك التي دائما ما يروج لها الإعلام العربي من أننا ضحية المؤامرات والدسائس التي يحيكها الغرب ضدنا وإنما نحن ضحية أنفسنا فنحن من نتآمر على بعضنا البعض ونحن من نستقوي بالآخرين على تدمير أوطاننا وإلحاق الهزيمة بمجتمعاتنا، حتى أصبح خطر العرب على أنفسهم أشد ضراوة من خطر ألد أعدائهم وما يجري في سوريا واليمن وليبيا وغيرها سوى إحدى الصور الكاشفة لهذه الملهاة أو المأساة التي ندفع ثمنها من دمائنا والتي تنزف بغزارة منذ سنوات.
كاتب يمني