أسارير النفس الطيبة

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٠٤/يونيو/٢٠١٧ ٠٤:٤٠ ص
أسارير النفس الطيبة

أحمد المرشد

تقول الرواية إن حذيفة العدوي انطلق في معركة اليرموك يبحث عن ابن عم له، ومعه شربة ماء. وبعد أن وجده جريحا قال له: أسقيك؟ فأشار إليه بالموافقة. وقبل أن يسقيه سمعا رجلاً يقول: آه، فأشار ابن عم حذيفة إليه؛ ليذهب بشربة الماء إلى الرجل الذي يتألم، فذهب إليه حذيفة، فوجده هشام بن العاص. ولما أراد أن يسقيه سمعا رجلا آخر يقول: آه، فأشار هشام لينطلق إليه حذيفة بالماء، فذهب إليه حذيفة فوجده قد مات، فرجع بالماء إلى هشام فوجده قد مات، فرجع إلى ابن عمه فوجده قد مات. فقد فضل كل واحد منهم أخاه على نفسه، وآثره بشربة ماء. هذا ما ينطبق في وقتنا الحالي على أهل مدينة الحد البحرينية والتي أحمل لها ذكريات خاصة فقد كنت كأحد أبنائها ولم أشعر يوماً بالغربة لعبنا فيها وعشنا طفولتنا ومراهقتنا وتعلمنا من أهلها الحب والوفاء فأهلها يعرف عنهم التحلي بصفة إيثار النفس، تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا كان الإيثار يكسب صاحبه رفعة ومنزلة ومحبة في الدنيا والآخرة، فأهل الحد أو اللؤلؤة البيضاء، اكتسبوا حقا هذه الصفة الحميدة. وكل شعب البحرين يعلم هذا. وقد تعلمنا نحن منهم معنى السخاء والجود، إذ يكون إيثار النفس والمال والتضحية والبذل والعطاء من أجل الله تعالى، وحسن الوفاء ودعم للأخوة في الله هو أسمى درجات الصداقة. فمدينة الحد الطيبة الوديعة التي أخذت من البحر صفاءه، تربط بين الماضي والحاضر، ونحن معشر أهل البحرين نعشق البحر، وهذا ما يربطنا برباط وثيق بهذه المدينة الساحلية التي كانت مركزاً للغوص عندما اشتهر أهلها بهذه المهنة عندما كانت مصدراً مهماً من مصادر دخلنا القومي. وتظل الحد في العصر الحديث أحد الروافد المهمة للعطاء في العصر الحديث، خاصة بعد افتتاح مدينة البحرين الصناعية وهي أكبر المدن الصناعية المتكاملة في البلاد، إضافة إلى وجود ميناء خليفة بن سلمان البحري. لا أبالغ إذا قلت إن أهل الحد هم جميعاً الرجل وزوجته الأنصاريان اللذان نزل فيهما قول الله تعالى: «ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة» الحشر: بكرمهما وجودهما وإكرام الغريب، فقد حبا المولى عز وجل مدينة الحد بصفات سامية اكتسبها أهلها على مر التاريخ، ليتوارث أحفادهم هذه الصفات الحميدة بمرور الأيام. ليس هذا فقط، فقد بلغت مدينة الحد العتيقة مكانة كبيرة، لتميز أهلها بطيبة وصفاء سريرتهم وحبهم وكرمهم الكبير للوافدين والضيوف. فهي تلك المدينة العريقة الجميلة الرابضة في أحضان البحر بصفائه وجماله والتي ترسم الهلال العلوي من خارطة البحرين وحارسة شرق المحرق، تشتهر بأهلها الطيبين المسالمين، ومن بينهم العوائل الكبيرة مثل المسلم والبنعلي والبوفلاسة والعمادي واليوشع والمحمود والسليطي والسادة والذواودة وبوعلي والأحمد والبورشيد وياسين ومندي وبوغمار ولتعذرني العوائل الكريمة الأخرى التي لم تسعفني الذاكرة لذكرها. وقد حافظت الحد على نبعها الطيب لعراقة عوائلها الأصيلة، الذين شيدوا المآذن بالمدينة لتتميز بكثرة المساجد ووفود المصلين. الأمر الذي يشرح صدر زائريها وينسيهم هموم الحياة. وتنفرج أسارير زوار مدينة اللؤلؤة البيضاء ويشعرون بالفرح والسرور بمجرد أن تطأ أقدامهم شوارع المدينة، فالحد مثل الزلال في صفائه، وأهلها يتصفون بالكرم والجود والخلق القويم ومواجهة المواقف كافة على قلب رجل واحد، مما أعطاها ميزة الهدوء والأمان. ويشتهر أهل البلدة كما اسلفنا بالجود والإحسان والكرم، فإذا كان في تاريخ كل أمة من الأمم رجال يعرفون بسيماهم، ورجال يصنعون التميز والصفات الحميدة في تاريخ قراهم وبلدانهم، فان رجال الحد يعرف عنهم انهم حملوا مشاعل العلم وأبلغوه لبقية أهل البحرين، إذ تعرف كل مدرسة في البلاد معلماً من أهل الحد، لينهل الجميع من علم علمائهم الأجلاء الذين أثروا الساحة العلمية والثقافية على مدى عقود. فمنهم العالم والكاتب والفقيه والقارئ النهم المحب للعلم، ومن هؤلاء جميعاً تعلمنا كيف يكون هدوء وصفاء الحياة والبساطة في العيش وروح التعاون والتعاضد والتكافل والترابط. وقد تميزت عوائل بعينها بمدارس وزارة التربية والتعليم بالمدرسين كعائلة البورشيد والعمادي والجنيد والذوادي والمالود ومندي وعوائل رسمت لنا طريق العلم والمعرفة، وأذكر مدرسين كان لهم الأثر في نفسي خلال مراحل دراستي الابتدائية والإعدادية والثانوية ففي الابتدائية كان من عائلة العمادي المرحوم الأستاذ علي عباس العمادي والأستاذ الجليل عبدالله الماجد والأستاذ يوسف الذوادي، وفي المرحلة الإعدادية كان للأساتذة أحمد مبارك النعيمي والأستاذ عبدالعزيز الجنيد والأستاذ حسن بوعلي كل الفضل والتوجيه والإرشاد في مرحلة مهمة في حياة الطالب، وفي الثانوية كان هناك الأساتذة محمد عباس العمادي والأستاذ أحمد جناحي والأستاذ مبارك الجنيد ومدير مدرسة الهداية المرحوم الأستاذ إبراهيم الخثلان ذاك المدير الذي لا يمكن أن تنساه مدرسة الهداية الخليفة لدماثة خلقة وطيب معشره وكلهم أطال الله في أعمارهم كانوا مثالاً يحتذى به للمدرسين المخلصين الذين نذروا أنفسهم لمحارب العلم والمعرفة. وإذا كانت المدينة تميزت ببلاغة علمائها وأسلوبهم الرفيع وسعة اطلاعهم وعمق تفكيرهم ودروسهم المؤثرة، فهم أيضا يتصفون بالتواضع الشديد، مما أكسبهم محبتنا واحترامنا لهم، لنقطف بفضلهم ثمرة العلم والتواضع والأخلاق وميزة أخرى لا يمكن أن نغفلها لأهالي الحد الكرام، وهي ذلك التماسك الفريد من بين مدن وقرى البحرين ألا وهي وصلهم الاجتماعي في الفرح والحزن فعندما تفرح عائلة تشعر أن الفرح لجميع العوائل وعندما يختار البارئ أحد أبناء تلك المدينة تجد أهلها بشيبها وشبابها من الجنوب إلى الشمال يشاركون في تقبل العزاء وكأن الفقيد قريب لكل واحد منهم. تلك هي مدينة الحد اللؤلؤة البيضاء التي أكن لها حباً عميقاً مفعماً بذكريات خاصة في قلبي لا تنسى عبر سنيين عمري. اللهم أدم على مدينة الحد وكل البحرين الطمأنينة والتماسك والأمن والأمان.. اللهم أدم علينا المحبة والترابط والتآخي والتعاون، فهذه هي طباع أهل البحرين الكرام الطيبين.

كاتب ومحلل سياسي بحريني