
علي ناجي الرعوي
الحرب في اليمن كانت هذا الأسبوع مثار نقاش موسع داخل مجلس الأمن الدولي في نيويورك على ضوء التقرير الذي قدمه مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومداخلة المبعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ.. وربما كانت المرة الأولى التي نرى فيها أعضاء المجلس الخمسة عشرة ما بين ذهول من الأحداث التي يشهدها هذا البلد ودهشة من تداعياتها إلا أنه ورغم صدمة هؤلاء بالوضع المأساوي في اليمن، والذي لم يكن أحد منهم يتخيل ماهو أكثر سوءاً منه فقد جاء موقف المجلس باهتاً ومبهماً ومغلفاً بتعبيرات الشعور بالقلق إزاء الأهوال التي تحيق بالشعب اليمني في ظل استمرار الحرب المحتدمة في بلاده عدى عن تبرير تقاعس وتخلف المجلس عن القيام بأي فعل لإنهاء تلك الحرب بتفويض الرئيس الدوري للمجلس بدعوة أطراف الصراع إلى إيقاف إطلاق النار والتعاطي بإيجابية مع جهود مبعوث الأمم المتحدة لتحقيق السلام وإعادة الاستقرار إلى ربوع هذا البلد مع أن تلك الدعوة أصلا غير ملزمة لأحد.
لا جدال أن مجلس الأمن لا تحكمه العواطف وإنما المصالح المجردة من المشاعر الإنسانية وأن الدول الخمس دائمة العضوية في هذا المجلس لها موازين تختلف من بلاد إلى أخرى وحين نذكر هذا الاختلاف ونقابل الحالة اليمنية صراحة أو ضمنا بالحالة السورية أو حتى الليبية يبرز هذا الاختلاف جلياً إذ تبدو الحرب في اليمن بعيدة عن الاهتمام الدولي بصرف النظر عن المحن القاسية التي تخلفها على أن تراخي المجتمع الدولي أمام الحالة اليمنية على عكس الحالة السورية الذي نجد فيها المجتمع الدولي يشهر قيما يدعي انه الذي يدافع عنها هي ولا شك ازدواجية ليست منفصلة عن طبيعة المصالح القائمة والمحتملة.
في الحقيقة أن مجلس الأمن لم يبتعد عن تلك القاعدة في مناقشاته هذا الأسبوع لتداعيات الحرب في اليمن ولذلك فهو الذي ترك الأمور في هذا البلد في خانة المراوحة واتساقاً مع هذا الموقف فقد أوكل الحل الأممي لليمنيين أنفسهم متجاهلا انقسام الأطراف الداخلية وأن هناك حرباً إقليمية تجري على الساحة اليمنية وأن لابد من تدخل أممي لإنهاء هذه الوضعية المزدوجة وأن الركون إلى دور المبعوث الأممي لحل الأزمة على أساس قرارات أممية لم تنفذ وأبرزها بالطبع قرار مجلس الأمن 2216 لن يؤدي إلى سلام قابل للاستدامة وإنما هو الذي سيدفع بالأوضاع في اليمن نحو انفلات شامل يصعب السيطرة عليه إذا ما استمر هذا العجز التام للقوى الدولية والإقليمية تجاه معاناة ملايين المدنيين من اليمنيين الذين تحيط بهم عوامل الفقر والفاقة والتهميش والحرمان والبطالة وانسداد الأفق.
تمر الأحداث في اليمن هذه الأيام بإحدى فتراتها المفصلية التي سيتوقف على معطياتها ونتائجها مستقبل البلاد فإما التغلب على مجريات هذه الأحداث وتدشين مسار السلام والمصالحة والبدء في بناء دولة مستقرة، وإما تصاعد مستويات العنف والمواجهات المسلحة وتفكك الجغرافيا اليمنية إلى عدة كنتونات متناحرة لا تقبل بالتعايش مع بعضها البعض وانتشار الفوضى التي لن تتوقف تأثيراتها وانعكاساتها الخطرة على اليمن وحسب، وإنما هي التي ستمتد إلى عموم المنطقة إذ إنه وفي ظل استمرار الحرب وانسداد أفق الحل السياسي واستسلام المدافع والمهاجم لفكرة الحسم العسكري.
بالتأكيد لقد كان لـ (عاصفة الحزم) العسكرية التي شنها ولا يزال التحالف العربي بقيادة السعودية تأثيراً كبيراً على هذا البلد فقد جعلت اليمن أمام عاصفة من التداعيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إذ كانت الارتدادات الإنسانية لهذه العاصفة هي الأسوأ على حياة الملايين من المواطنين ناهيك عن الشروخ الاجتماعية التي أحدثتها في أرجاء البلاد فقد أدى الاقتتال إلى تعميق التوترات المتزايدة بين شمال البلاد وجنوبها وتدمير البنية الأساسية الهشة وهروب المستثمرين الأجانب وتوقف النشاط الاقتصادي كليا واتساع مساحات الفراغ التي وجد فيها تنظيم القاعدة ضالته للانتشار وفرض نفوذه على العديد من المناطق وهو الأمر الذي يدفع اليمن نحو سيناريو مجهول سيما إذا ما ظل رهان الأطراف الفاعلة في الصراع على خيار الحسم العسكري مع أن أمراً كهذا لن يصنعه مجرد التفوق في السلاح والقدرة على استخدامه وإنما الكفاءة في اتخاذ القرار والمبادرة المناسبة في الوقت المناسب وهنا لابد وأن يعي التحالف العربي أن هناك من يسعى إلى استمرار الصراع لفترة أطول من التي مضت الأمر الذي يصبح معه هذا البلد الفقير والمنهك على أطراف الجزيرة العربية مجرد خزان مشتعل يتفجر بنفسه وبالمنطقة. بالإجمال فان أفضل المقترحات أو أقل المقترحات سوءاً هو أن تبتعد دول التحالف العربي عن هاجس الخوف من نفوذ إيران المحتمل في اليمن إذ إن النفوذ الإيراني في هذا البلد يبقى نوعاً من الخيال السياسي الذي يصعب حدوثه، فاليمن ليس لبنان ولا العراق أو سوريا وبالتالي وبعيداً عن تقديرات صناع القرار داخل التحالف العربي بشأن مالات هذه الحرب فإن من الواجب الإصغاء لصوت العقل باعتباره الصوت الذي ينبغي الانحياز إليه لاستكشاف الخيارات الواقعية التي تدفع نحو السلام واحتواء اليمن في نطاقه الجغرافي والعربي والحقيقة أن السلام في اليمن يجب أن يظل أولوية وضرورة استراتيجية للدول العربية كافة وفي الصدارة منها الدول الخليجية وبهذا المعنى ذهب البعض إلى القول إنه كان بإمكان التحالف العربي تجنب استخدام القوة في اليمن، وحل أية ملابسات بشأن مواقف جماعة أنصار الله عبر النافذة السياسية خصوصا وأن القادة في الخليج كانت لهم اليد الطولى في اليمن، وكان يكفي هؤلاء القادة أن يحلوا قضية داخلية أو مرتبطة بالإقليم عبر اتصال هاتفي وجلب الفرقاء في الساحة اليمنية بما فيهم جماعة أنصار الله الى اية عاصمة خليجية بيسر، والتوصل معهم إلى حلول عملية بقدر ما يراد إلا أن حساب البيدر تغلب على حساب الحقل ليتقدم منطق الحرب على لغة السياسة مع ذلك فما زال بوسع الخليج إغلاق الملف اليمني المفتوح واستيعاب اليمن في إطار المنظومة الخليجية.
أي متابع لمجريات الحرب الملتهبة في اليمن لا تلزمه فطنة ولا حصافة ولا دقة نظر ليدرك حجم الفوضى والدمار والخراب الكبير الذي أحدثته تلك الحرب ولا يستطيع المرء أن يخفي شعوره بالرثاء والحزن حين يقارن مثل هذا الكلام مع تلك النقاشات التي جرت هذا الأسبوع داخل أروقة مجلس الأمن والتي كان همها تخدير اليمنيين حيال ما يتصل بطي صفحة الاقتتال والتقدم على طريق إحلال الأمن والسلام مع أن الواقع في اليمن محاط في الوقت الراهن بمختلف عوامل الفشل خصوصا إذا ما علمنا أن الجهود التي يبذلها إسماعيل ولد الشيخ لم تعد تحظ بقبول مختلف الأطراف بعد أن تحولت تلك الجهود إلى شكل من أشكال المناورة السياسية التي لا تنتج حلاً وإنما تصب في طاحونة الإبقاء على واقع الحرب وإذكائها إلى أجل غير مسمى.
كاتب يمني