سندات الجوع

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠١/يونيو/٢٠١٧ ٠٤:٥٠ ص
سندات الجوع

ريكاردو هاوسمان

إن الاستثمار عادة ما يوجد معضلات أخلاقية تتجاوز الأهداف: هل نستهدف الإنجاز أو عمل الخير؟ هل من المناسب الاستثمار في شركات التبغ؟ أو في شركات تبيع الأسلحة إلى عصابات المخدرات؟

إن الشعبية التي حظيت بها ما يطلق عليه بصناديق الاستثمارات ذات التأثير والتي تعد بعوائد طيبة مع تحقيق أهداف اجتماعية أو بيئية تقوم على أساس هذا القلق فعادة ما تجد المؤسسات أن آليات الاستثمار هذه تساعدها في عمل الخير والإنجاز بالأموال التي تنفقها على الأعمال الخيرية وبالأصول الوقفية التي تحقق العوائد والتي تعتمد عليها الأعمال الخيرية الخاصة بتلك المؤسسات.

إن الأسواق الناشئة هذه الأيام هي ضمن فئة الأصول التي تجعل الناس يشعرون بعدم الارتياح من الناحية الأخلاقية فهل يتوجب على الناس المحترمين وضع أموالهم في صناديق سندات في الأسواق الناشئة؟
إن عوائد مؤشر سندات الأسواق الناشئة لجي بي مورجان تتأثر بشكل كبير بما يحدث في فنزويلا والسبب بسيط وهو بينما تمثل فنزويلا 5 % فقط من المؤشر، إلا أنها تمثل حوالي 20 % من العائد وذلك نظراً لأن العائد على الدين الفنزويلي هو أكبر بخمسة أضعاف تقريباً من البلدان الأخرى ضمن المؤشر، وهذا يعكس المخاطر الكبيرة التي تواجه فنزويلا كما أن تقلبات الأسعار للدين الفنزويلي- الأعلى في مؤشر سندات الأسواق الناشئة لجي بي مورجان- تمثل حصة غير متناسبة من التحركات السعرية اليومية للمؤشر.
إن من الممكن أن تستثمر في مؤشر سندات الأسواق الناشئة لجي بي مورجان لأنه يعد بعوائد أعلى أو لأنك تريد أن تجعل مدخراتك متوفرة لقطاع أكبر من البشرية ولكن لو قمت بذلك فإنك تشجع الدين الفنزويلي، وهذا يعني أنك تتمنى حصول أشياء سيئة للغاية للشعب الفنزويلي.
وكما ورد على نطاق واسع في وسائل الإعلام فإن فنزويلا تشهد أحد أكثر الانهيارات الاقتصادية كارثية مع جرعات كبيرة من الاضطرابات السياسية مما يعني أن الاستثمار في مؤشر سندات الأسواق الناشئة لجي بي مورجان يعني أنك سعيد عندما يخبرك محللو وال ستريت بأن فنزويلا تقوم فعلياً بتجويع شعبها من أجل تجنب إعادة هيكلة سنداتك.
إن من السهل تفسير سعادتك فالواردات الفنزويلية بعد أن انهارت بنسبة 75 % من 2012 إلى 2016 انخفضت بأكثر من 20 % في الربع الأول من سنة 2017. إن هذه أخبار طيبه لك كمستثمر في مؤشر سندات الأسواق الناشئة لجي بي مورجان لأن هذا يعني أن المزيد من الأموال يتم تخصيصها لخدمة سنداتك، وفي الوقت نفسه فإن الفنزويليين يخسرون الوزن بدون قصد ويبحثون عن الطعام في أكوام القمامة. بالطبع فإن هذه كارثة إنسانية ولكن بالنسبة لك فإن هذه فرصة استثمارية رائعة.
الآن افترض أنك ستحتفظ بالدين الفنزويلي لأنك تأمل بأن يخسر الرئيس نيكولاس مادورو السلطة، وأن تتولى السلطة حكومة أكثر منطقية وديمقراطية تتوافق بشكل أكبر مع بوصلتك الأخلاقية، وحتى في هذه الحالة فإنك لا تزال تريد استخدام المكتسبات من الانتعاش المستقبلي لفنزويلا بشكل تفضيلي من أجل خدمة الدين القديم الذي تم استخدامه من أجل تمويل الفساد والهدم على المستوى الوطني، فأنت لن تشجع استعادة الفنزويليين لحياتهم التي يستحقونها بعد أن عاشوا هذا الكابوس.
كما ستشجع قيام القضاة الأمريكيين بمصادرة الأصول وحجز الأموال من أجل أن يدفعوا لك وفي واقع الأمر فإن المحللين المتفائلين بالدين الفنزويلي كانوا يضغطون على الحكومة وقادة المعارضة بتهديد مبطن: إن مجرد النظر في إعادة هيكلة سنداتك، سوف يسمح لأولئك الذين يديرون أصولك بالتسبب بإحداث فوضى في فنزويلا.
لو كنت شخصاً محترماً فإن الاستثمار في السندات الفنزويلية يجب أن يجعلك تشعر «بالغثيان الى حد ما» وهي نفس العبارة التي استخدمها مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأسبق جيمس كومي أثناء شهادته للكونجرس الأمريكي. إن مديري صناديق الأسواق الناشئة يشعرون بعدم راحة مماثلة فهم يخصصون وقتاً زائداً عن الحد من أجل اتخاذ القرار المناسب فيما يتعلق بفنزويلا لأن مكافآتهم مبنية على أساس أدائهم مقارنة بالمؤشر الذي تعتبر فنزويلا فيه المحرك الأساسي.
إن الأشخاص الأقل اهتماماً بالجانب الأخلاقي من هؤلاء فرحون بالتقدير الذي يحصلون عليه لأن توقعهم كان صحيحاً بالنسبة لقرار حكومة مادورو تجويع شعبها عوضا عن إعادة هيكلة السندات التي تحملها. إن المحللين وحاملي السندات يضغطون على الحكومة والمعارضة من أجل أن لا تسعى للحصول على دعم مالي من صندوق النقد الدولي خوفاً من قيام المجتمع الدولي بالمطالبة بأن تقبل تخفيضاً كبيراً في استثمارك، كما كان عليه الحال مع دائني اليونان.
ربما لن يكون ذلك جيداً بالنسبة للائتمان ما قام المحللون وحاملو السندات كذلك بالضغط على الجمعية الوطنية التي تسيطر عليها المعارضة في فنزويلا من أجل الإقرار بالدين الخارجي لفنزويلا مقابل حرية السجناء السياسيين مما يوحي بإمكانية دفع سنداتك من خلال الفدية. إذن هل يجب أن تتوقف عن الاستثمار في صناديق الأسواق الناشئة فقط لأن 5 % من مدخراتك ستذهب من أجل تمويل فنزويلا؟ من الواضح إن هذا سيعاقب البلدان الأخرى التي تعتبر من المتفرجين البريئين على هذه الفوضى الفنزويلية. إذن لا بد أن يكون هناك طريقة أفضل.
هناك طريقة أفضل بالفعل. إن الحل يتمثل في مطالبة جي بي مورجان فورا باستثناء فنزويلا من مؤشرات السندات للأسواق الناشئة التي تقوم بحسابها مما سيعفي مديري الصناديق من الحاجة لمقارنة أدائهم على أساس سندات الجوع وفي المستقبل يتوجب على جي بي مورجان تقديم مؤشر مقبول للأسواق الناشئة الذي سينقذك من المعاناة الأخلاقية، وذلك عن طريق التحقق من أن البلدان التي تطبق الحد الأدنى من معايير الاحترام لمواطنيها هي المشمولة في هذا المؤشر فقط. إن مؤشراً مقبولاً للأسواق الناشئة سيسمح لك بتشجيع الحصول على عوائد أعلى على مدخراتك بدون تمني حصول معاناة إنسانية. بإمكانك أن تنجح بدون أن تشعر بالأسى.

وزير سابق للتخطيط لفنزويلا وكبير الاقتصاديين
السابق لبنك التنمية للأمريكيتين.