القاهرة- خالد البحيري
الناس «الشقيانة».. كلمة يعرف المصريون دلالتها، فهي تعبر عن وجوه ترك الزمن بصماته على قسماتها وملامحها، بمجرد أن تنظر إلى عيونهم تخبرك بما فعله الزمان دون أن تتحرك الشفاه أو ينطق اللسان.. تنشق عنهم الأرض مع أول ضوء للفجر ولسان حالهم «يا فتّاح يا عليم.. يا رزاق يا كريم» بعضهم يحمل أدواته التي لا غنى عنها في تكسير الحوائط والأرضيات، وآخرون ينطلقون إلى المخابز والأفران ليقابلوا اللهب المنبعث منها برضا، ويحمدون الله أن رزقهم مهنة يتكسبون منها، بينما يمسك آخرون «مقشة» وهي لمن لا يعرفها حزمة من الأغصان تُربط من طرفها بمقبض تستخدم كمكنسة، ويبدأ في إزالة ما خلفه الليل من أتربة وغبار على الشوارع الرئيسية.أما «عفاريت الأسفلت» أو سائقي الميكروباص فتبدأ رحلتهم من الرابعة فجراً وتستمر لساعات طويلة قد لا يغادرون خلالها مقعد القيادة.
«الشبيبة» عاشت رحلة «أكل العيش» مع بعض أصحاب المهن الشاقة في نهار رمضان، ورغم حرارة الجو وظروف الصيام إلا أنهم يواصلون أعمالهم بكل جد وكفاح فهم لا يملكون رفاهية «الإجازة» لمدة شهر «فالرزق يوم بيوم» والغلاء لا يرحم.
عُمّال التراحيل
البداية كانت من أحد أصحاب المهن الذين يعملون باليومية في مهن تتعلق بالتحميل والترحيل كتكسير الحوائط والأرضيات وحمل الأشياء الثقيلة .يقول عبد التواب الذي قارب على الخمسين من العمر: لدي من الأبناء أربعة معظمهم في مراحل التعليم المختلفة، ليس لنا راتب ثابت، أو تأمين صحي، وكل ما نملكه هو بطاقة الخبز والتموين التي منحتنا إياها الحكومة، لنحصل على 20 رغيفاً مدعماً وبضع كيلوات من السكر والزيت والأرز نهاية كل شهر بأسعار مخفضة، لذلك أنطلق في الصباح الباكر وأفترش الأرض كما ترى وسط الشارع بانتظار النصيب، فقد يأتي أحدهم راغباً في تكسير شيء أو رفع شيء ثقيل للأدوار العليا، ونتفق مع «الزبون» ونتوكل على الله لا نفكر في الحر أو العطش أو حتى الجوع، كل ما نفكر فيه أن نعود نهاية اليوم بمبلغ من المال في الغالب يقترب من 100 جنيه (6 دولارات) تكفينا لمدة يوم واحد ونعاود الكّرة في الصباح الجديد، وكلنا أمل في أن الله سوف يرزقنا.وأضاف: نفضل التعب والمشقة عن مد أيدينا للناس.. أو انتظار معاش من الحكومة لا يكفي لحياة شخص واحد فما بالك بأسرة من 6 أفراد.. وأحياناً نظل هنا في الشارع ويمر اليوم دون أن يأتينا رزقنا فننصرف إلى بيوتنا راضين على أمل أن يكون الغد أفضل.
«خبازين النعمة»
هكذا يطلقون على أنفسهم «خبازين النعمة».. التقينا أحدهم وهو يقف على مقربة من اللهب في نهار شديد الحرارة يستقبل أرغفة الخبر بعد أن أنضجتها حرارة الفرن، فقال: الحمد لله أننا نجد مهنة وعملاً نكسب منه قوت يومنا، شباب كثير رغم أنهم من أصحاب الشهادات يجلسون في البيوت ويتلقون مصروفاً من آبائهم.. «محدش لاقي شغل».
وعن عمله أمام النار وهو صائم أضاف: تعودنا على تحمل درجات الحرارة المرتفعة منذ سنوات، وأصبحنا مثل الذين يعيشون في أجواء الخليج، ونعمل من 8-10 ساعات في اليوم مقابل 120 جنيها (7 دولارات) والحمد لله تكفينا ونعيش منها مستورين ولا نمد يدنا لأحد، وندخر منها للزمن خاصة أننا لا نملك معاشاً بعد التقاعد أو مورد رزق في حال لا قدر الله مرض أحدنا واضطر للابتعاد عن الغبار والنار لفترة.
عفاريت الأسفلت
وفي نفس الظروف القاسية والحرارة المرتفعة يعمل السائقون أو «عفاريت الأسفلت» لأكثر من 10 ساعات يومياً يتحملون فيها ضغط الزحام والخلاف من الركاب على الأجرة فضلاً عن الحرارة المنبعثة من محرك السيارة فمعظم هذه العربات بدون تكييف وانتهى عمرها الافتراضي من سنوات فهي تعود لأكثر من 30 عاماً.يقول مصطفى عبد الواحد سائق: مثل غيرنا من أصحاب المهنة المتبعة نعمل لأجل لقمة العيش ومنا من يصوم ويتمسك بأداء الفريضة، ومنا من يفطر مضطراً بسبب كثرة الشجار مع الزبائن وزحمة الطريق.. لكن في الغالب الصائمون هم الأكبر سناً ومعظم الشباب السائقين صبرهم قليل ولا يصومون خاصة أن معظمهم يتعاطون حبوباً مخدرة ومنشطات.وأضاف: لو امتنعنا عن العمل في النهار ونحن صائمون كيف سيصل ملايين الناس إلى أشغالهم وأعمالهم، ربنا اجعلنا سبباً لخدمة الناس والسعي على رزق أولادنا.
النظافة والتجميل
لا أحد في محيط جامعة القاهرة بالجيزة لا يعرف عم زيزو فهو أشهر عامل نظافة.. قال لنا: هذه مهنة عظيمة وثوابها عند الله كبير، ورسولنا صلى الله عليه وسلم قال لنا»، أعمل بهذه المهنة منذ 30 سنة وقد ربيت أولادي وبعضهم من حملة المؤهلات العليا، وليس هناك فرق بين العمل في نهار رمضان أو غيره، كله عمل فنحن نعمل في ظروف صعبة طوال العام لأننا في الشارع، إما مطر وبرد شديد أو شمس وحر شديد.وأضاف: العمل في نهار رمضان عبادة مع عبادة الصيام ولذلك لا نقصر ولا ننتظر من أحد مقابل، فقد نأمل من الله أن يمنحنا الصحة والصبر حتى نؤدي رسالتنا في الدنيا ونسلم الراية لجيل جيد يتحمل الأمانة من بعدنا.