محمد بن علي البلوشي
mohammed albelushi
@maserh5
هل تداولتم تلك الصورة أو الفيديو الذي يُظهر تلامذة مدرسة ينظفون أحذية معلميهم.. معظمكم شاهدها وعلّق عليها.. هي صورة قيل إنها من اليابان البلد الذي نحلم أن نصبح مثله وأن يصبح الوقت لدينا كالوقت لدى مواطنيه مقدســـاً كالروح. لقد تداولت الصورة للإشارة إلى قدر المعلم وعلو منزلته في اليابان وكيفية تربيـــة الطلاب على احترام معلميهم.
هنا لا نريد لطلابنا أن ينظفوا أحذية المعلمين فالثقافة الاجتماعية مختلفة تماماً بيننا وبينهم.. فالحذاء لدينا رمز للدونية والقذارة، ونترفع عن ذكره وإن ذُكِر فإنه يُذكر مقروناً بالجمل التي تعرفونها، على الرغم من الخدمات التي يقدّمها الحذاء لنا ومنها أننا لن نتحرك بدونه في مثل هذا الهجير. ومن اليابان إلى الصين الجار اللدود لها، يتعلم طلاب المدرسة في المرحلة الابتدائية أهم قاعدة سلوكية من أدبيات الحزب الحاكم الذي يمثل الصين، وهي العمل الجماعي والمهارات، إذ يتربى الطلاب في هذه المرحلة على روح العمل الجماعي كتنظيف المدرسة والبيئة خارج المدرسة في فرق مرتبة ومنظمة. إلى جانب الأعمال اليدوية التي تنمّي الحس المجتمعي والذاتي لدى الناشئة. هذا جانب صغير جداً من منظومة متكاملة يتربى عليها الطلاب في هذا البلد لتتكامل مع منظومة المواد الدراسية.
لكن الصين ليست وحدها في هذا المجال، فعودة إلى هنا في بلادنا كانت المدرسة تقوم بهذا الدور وأكثر منه، وسنرجع بكم إلى المدرسة وما كانت عليه، يوم كانت الأنشطة المدرسية أشبه بالتجنيد الإجباري لكن دون بزة عسكرية أو تجييش.
تنظيف الفصل من أساسيات اليوم الدراسي، فيقوم الطلاب بتنظيف فصلهم وتتناوب على التنظيف كل يوم مجموعة يُقسم دورها مربي الفصل، ومجموعة تتكفل بتنظيف الممرات كل صباح. كان هذا أحد واجبات الطلاب اليومية في فصلهم، كذلك تنظيف فناء المدرسة كان من واجبات الطلاب جنباً إلى جنب مع العاملين فيتوزع الطلاب في أرجاء المدرسة للتنظيف وتُوزع أكياس وسلات النظافة عليهم.
لتعزيز هذا الدور كانت التوجيهات السامية من مسابقة النظافة تنطلق من فلسفة تؤتي ثمارها على الأمد البعيد في غرس الوعي البيئي لدى الطلاب عن النظافة بما ينعكس على أسرهم ومجتمعهم، فانطلقت مسابقة النظافة المدرسية إلا أن آليات تنفيذ المسابقة تحتاج مراجعة أخرى وتقييماً بنَّاءً، وهي كيفية بناء السلوك البيئي لدى طلابنا وجيلنا الحالي في المدرسة وخارجها، وقد قامت المدرسة بدور بنّاء سابقاً في بناء شخصية الطالب.
أما حصة النشاط الزراعي فكانت هي الأخرى تبني عقلاً ملماً بأبجديات الزراعة وأهمية الشجرة والزراعة بشكل عام في حياة الإنسان العُماني. غرست حصة النشاط الزراعي مفهوماً لدى الطلاب وكانت حديقة المدرسة هي المختبر العلمي، فكانت المدرسة تضم حديقة زراعية يتعلم فيها الطلاب مبادئ الزراعة لبناء روح المسؤولية لديهم وربطهم ببيئتهم وليس لتخريج مزارعين. هذا النشاط كان محبباً لدى الطلاب فهو يفرّغ طاقاتهم ليس بحسب الميول بل بحسب ما ينبغي أن تغرسه المدرسة، فالميول الطلابية كان لها وجود كذلك كحصة التربية الرياضية وحصة النشاط الموسيقي والمسرح وغيرها من الحصص التي هدفت لغرس قيم ومبادئ تنعكس في سلوك الطالب.
هل تتذكرون المقصف ومَن يبيع فيه؟ كان الطلاب هم الذين يبيعون، يبدأون قبل كل شيء بجرد البضاعة من الخبز والعصائر والمبالغ التي سيحصّلها كل بائع من شباكه، ولم يكن ذلك لسد نقص في تمويل المقصف المدرسي من الموظفين بل لبناء فكرة العمل في التجارة التي اختُطفت منّا عن إدراك ورضا. هل تتصوّرون طالباً يبيع على مئات الطلاب في تدافع بشري ويحفظ الطلبات من كل طالب بحسب المبلغ المقدم له، كان ذلك يفعله طلابنا وأزعم أنه أنتج لنا طلاباً ذوي وعي ومسؤولية.
وكانت حصة الرياضة وطابور الصباح وجبة حيوية للجسم، يوم كان التعليم جميلاً بشقيه بالرغم من الفزع الذي يمثله المعلم.
أما اليوم المفتوح فكان يوماً آخر، في البدء بمثل هذا اليوم يأتي الطلاب متهيئين للعمل، من تنظيف المدرسة إلى صبغ بعض المرافق المدرسية فيتم صبغ الأبواب والجدران. لقد صبغ الطلاب ذاتهم بالنشاط المدرسي فانعكس على سلوكهم.
بعد هذه السنوات الطويلة لن يعرف أبناء مدارسنا اليوم المدرسة سابقاً، فقد اختفت وأصبحت من الماضي، فالنظافة تقوم عليها شركات النظافة وكذلك المقصف وغيره. واختفت حصص النشاط الزراعي، فإن كان الهدف من ذلك عدم إشغال الطالب بشيء سوى حصصه الدراسية فإن إهمال جانب على جانب له مساوئه، وأهم هذه المساوئ أن الطالب يفتقد حس المسؤولية.
تُرى هل يقوم الطلاب اليوم بما كان آباؤهم يقومون به في السابق في المدرسة؟ هل تخرج حصص النظافة الطلاب إلى المجتمع للمشاركة في تنظيف الحي الذي يسكنونه أو البلدة التي ينتمون لها؟ بكل تأكيد لا، فاليوم بتنا نرى أننا لا نستغني عن عمّال النظافة لتنظيف أحيائنا، ونرى في الصيف كيف تمتلئ الحارات والطرق بالزجاجات والعلب الفارغة والتكسير الذي يطال مرافق عامة كأعمدة الإنارة.
نحن نحتاج إلى تجديد أدبيات وعقيدة المدرسة كما كانت في السابق، عقيدة الطالب الواعي والمسؤول منذ صغره، فليس شرطاً أن يكون الطالب العُماني نسخة من الطالب الياباني والصيني ولن يكون؛ فالشروط غير متوفرة مجتمعياً وثقافياً، لكنني أعتقد أنه يمكن استعادة دور المدرسة كما كان في السابق. ولا بد من إعادتها وسط هذه الفوضى التكنولوجية التي مسحت حس المسؤولية لدى هذه الأجيال، هذه العقيدة التي تميّزت بها مدارسنا في الماضي كانت أشبه بالتجنيد الإجباري الذي يحقق أهدافه بوسائل عدة، هذه الأنشطة أفضل تجنيد يمكن التفكير فيه.. أعيـدوا لـنا المـدرسة.