دعابة نعم.. لكنها حقيقة

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢٨/مايو/٢٠١٧ ٠٤:٣٠ ص
دعابة نعم.. لكنها حقيقة

علي بن راشد المطاعني
ali.matani2@gmail.com

تحمل مزحة وزير الإسكان مع أعضاء مجلس الشورى ‏عندما قال «أنتم لستم مخلصي معاملات» الكثير من الحقيقة التي يجب معالجتها في تطوير عمل مجلس الشورى كمجلس تشريعي في البلاد يعوَّل عليه الكثير في تعديل الأطر والتشريعات بما يتواكب مع التطورات الهادفة لتكريس دولة المؤسسات والقانون، وإصلاح النظم الموجودة لتكون أكثر فاعلية، باعتبار أن الدولة بكل مؤسساتها تدار من خلال القوانين واللوائح التي تنظم العمل في وحداتها.

في حين إن عمل مجلس الشورى للأسف يكرر عمل المجالس البلدية في المحافظات، وهذا ما يتعين النأي عنه ومن ثم الارتقاء بصلاحيات المجلس إلى ما نتطلع إليه في أن يكون مجلساً تشريعياً بالمعنى الحقيقي لهذا الوصف، وهو في الأصل وجد وكوّن ليضطلع بهذا الدور التشريعي باعتباره البداية والنهاية لواجباته المنوطة به عرفاً وقانوناً.

فالوزير عندما قال ما قال في مداعبته فهو في الواقع محق من خلال الكم الهائل من الرسائل التي تصله من أصحاب السعادة أعضاء المجلس، وإذا سلمنا بأن أحد الأعضاء كما ورد، أرسل للوزارة 400 رسالة تمثل طلبات للمواطنين، وإذا اعتبرنا هذه الرسائل كمعدل يتكرر مع أعضاء المجلس البالغ عددهم أكثر من 80 عضواً، فإنه وحسابياً ستصل للوزير 32 ألف رسالة طلب تخليص معاملة.

هل بعد ذلك نلوم المسؤول عندما يقول إن أعضاء الشورى أصبحوا مندوبي علاقات عامة، بل هل يعقل أن يُستجاب لكل هذه الرسائل التي قد تعجز عن استيعابها شركات البريد وقد تجد عنتاً وصعوبة في فرزها وتحويلها إلى الجهات المستهدفة وبعد ذلك لنا أن نتخيل صعوبة الرد عليها واحدة تلو الأخرى في وزارة لديها أصلاً مهام كبيرة ومسؤوليات جسيمة في مقابل طلبات لا تنتهي وأغلبها استثناءات.

ففي هذا المقام لا يجب أن نتهرب من مثل هذه الحقائق ويتعين مواجهتها بالشجاعة الكافية إذا رغبنا فعلاً في أن نطور تجاربنا التشريعية والبرلمانية، فالوزير عندما طرح هذه الدعابة، كان قصده شريفاً بالطبع وهو يرنو إلى معنى شاهق العلو ومؤداه أن على أعضاء المجلس الموقرين أن يكونوا أكبر من ذلك، غير أن الواقع على الأرض يناقض ذلك الهدف، وهنا ينبثق سؤال من تلقاء ذاته وينصب في هل نستمر بهذه الوضعية أم ننتقل لمرحلة أكبر وأرحب؟
إن السير على النهج ذاته قد يمهد الطريق للعديد من الأخطاء التي لا نرغب في أن نراها ماثلة أمام أعيننا، منها اتباع أساليب غير إيجابية في متابعة الطلبات أياً كان وضعها، وقد يكون هناك ما يسمى بالواسطات أو الاستثناءات مثلاً، وهذا قد يقود لتجاوز الأنظمة واللوائح والقوانين، في حين إن الهدف والغاية تؤكد أن الأعضاء هم القدوة للمجتمع بأسره في الحرص على صون النظم والقوانين.

بل إن الأمر قد وصل لدى بعض المواطنين إلى صيغة مألوفة لديهم تنص على: إذا أردت لطلبك أن ينجز في الوزارة، أرفق معه رسالة من عضو بمجلس الشورى.

وبغض النظر عن صحة أو خطأ هذه المقولة فهي تحتمل الخطأ والصواب، فإنها تشير إلى رغبة لنا جامحة في أن تكون العبارة لا أساس لها من الصحة.

في المقابل على الجهات الحكومية ألا تفسح المجال لتفشي هذه الظاهرة وذلك يتأتى من خلال التقيد بالأنظمة المعمول بها بدقة متناهية وتطبيق ذلك على الجميع بدون استثناء، وعدم التأخير في إنجاز المعاملات حتى يضطر المراجع لطلب النجدة من عضو مجلس الشورى مثلاً، فضلاً عن ضرورة تفعيل التواصل المباشر مع المواطن في إطار الحرص على إنجاز معاملته.

نحن لا نقول بأن عضو مجلس الشورى لا يخدم مواطنيه، فقط لا يتعين أن يكون مبالغاً في ذلك، أو كما علق بعض الأعضاء مبالغاً في أن عضو المجلس قد يقوم بجمع القمامة من أمام بيوت المواطنين، فهذا ليس من مهام الأعضاء ولا يجب أن نكون عاطفيين إلى هذه الدرجة ‏في التعاطي مع المطالب بدون وعي لماهيتها وإمكانية إنجازها باتباع الأنظمة المعمول بها.

بالطبع مهام المجلس واضحة واختصاصاته جلية ومن الأهمية استخدامها وتفعيلها بشكل يرتقي بمنظومة العمل في المجلس أكثر مما هو عليه الآن.

بالطبع نحن ندرك العوامل الانتخابية التي تفرض على العضو تلبية طلبات ناخبيه، ولكن في المقابل لابد من تغيير هذه الثقافة للأفضل، وعدم تعويد الناس على أن التجاوزات تقع في خانة الحلال والمباح.
نأمل أن لا نتضايق من الحقائق بل يجب استثمارها بشكل أفضل والنظر للنقاط المضيئة فيها، فالهدف سامٍ ما في ذلك شك، وهو أن نرى مجلس الشورى تشريعياً لا خدمياً أبداً ودوماً.