
فريد أحمد حسن
في لقائه الأسبوع الفائت بعدد من المسؤولين قال رئيس وزراء مملكة البحرين صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة «إن دول مجلس التعاون تعرضت لمؤامرات استهدفت أمنها واستقرارها، وكان يُراد لها أن تنشغل في أمنها عن تنميتها ونهضتها، ولكن هذه المحاولات انكسرت أمام وعي شعوب المنطقة وحكمة قيادتها»، وقال أيضا: «إن العالم بدأ يُدرك اليوم الثقل السياسي والاقتصادي لدول مجلس التعاون وأهمية المنطقة في المنظومة الأمنية والتنموية العالمية «، ولفت إلى أن «هذا الفهم الجديد جعل النظرة للمنطقة والتحديات التي تمر بها أكثر واقعية، وعزز من مفهوم الشراكة الاستراتيجية معها ورشح هذا التعاون ليكون ذا أهمية وضرورة لمن يريد صناعة مستقبل أكثر أمنا واستقراراً للعالم».
في اللقاء نفسه «نوّه سموه بالدور الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية الشقيقة في تعزيز التضامن الخليجي والعربي والاعلاء من صروح التكامل لتشمل مجالات عدة» ورأى أن هذا «جعل المنطقة أكثر منعة وقدرة على مواجهة الأخطار».
ما أراد رئيس وزراء البحرين توصيله هو أن هناك درعين مهمين يحصنان دول مجلس التعاون ويفشلان كل محاولات الإساءة إليها هما الوعي الذي تتسم به شعوب دول مجلس التعاون وحكمة قيادات هذه الدول، وأن هذا جعل العالم كله يدرك الثقل السياسي والاقتصادي لمنظومة مجلس التعاون، ويدرك أيضا أن هذا أدى إلى إبراز أهمية دول التعاون في المنظومتين الأمنية والتنموية العالمية.
رئيس وزراء البحرين يتحدث إذن عن أسباب نجاح منظومة مجلس التعاون في جعل دول التعاون مستقرة وقادرة على الحفاظ على أمنها وتحول دولها إلى دول ذات ثقل سياسي واقتصادي وذات تأثير كبير في أمن العالم وفي تنميته. بمعنى أن دول مجلس التعاون اليوم دول مؤثرة في كل ما يجري حولها وفي كل العالم وأنها لم تعد تتأثـــر فقط، أي أنها تحولت إلى دول فاعلة وموجبة، هذه الدول اليـــوم تتشارك مع دول العالم ذات التأثير الكبير في صناعة الأحداث العالمية وتتكامل معها، بل أن تلك الدول ما عادت تتخذ قـرارات كبيرة في المنطقة من دون معرفة رأي دول مجلس التعاون، وهذا نجاح يدون في سجل قيادات دول التعاون ومؤسسي هذه المنظومة ويؤكد وعي شعوب التعاون وقدرتها على التفاعل والعطاء. فأن تتحول هذه الدول خلال أربعة عقود فقط من دول تتأثر فقط بما يجري في العالم وليس لها إلا أن تراقب ولا تستطيع أن تحمي نفسها إلى دول تؤثر في الأحداث العالمية بل تصنع بعضها وتعرف كيف تدافع عن نفسها فإن هذا يعني أن نجاحا غير عادي حققته هذه الدول من خلال منظومة التعاون التي انطلقت في مثل هذا الشهر قبل سبع وثلاثين سنة.
اليوم، وبعد هذا النجاح الذي تحقق لدول التعاون من خلال هذه المنظومة، وبعد كل هذا الذي وصلت إليه شعوبها لم يعد بإمكان العالم أن يتجاوزها أو يتخذ أي قرار يمس المنطقة بل العالم من دون التشاور معها ومن دون أن يكون لها دورا في ذلك. دول التعاون اليوم ضرس قاطع وليس مجرد سن تائه بين الأسنان، فاقد القيمة وقابل للتعويض.
لولا وعـــي شعـــوب دول التعـــاون الـــذي ازداد مع التوسع في التعليم، ولولا حكمة قيادات هذه الدول وتكاتفها وتآزرها وما حققته من خطوات تكاملية خصوصا في الجانب الأمني لصارت دول المجلس لقمة سائغة لكل من سولت له نفسه اللعب بأمن المنطقة وسعى إلى التخريب ونشر الفوضى فيها، ولذاقت كل دولة ما تذوقه اليوم دول عديدة في المنطقة. وهذا يعني أن التكامل الأمني بين دول مجلس التعاون بات ضرورة وأمرا لا غنى عنه وأن هذا التكامل يحقق غرضين في آن؛ حماية دول المجلس من الأخطار التي تحدق بها وتتهددها، وجعلها دولا قادرة على الإسهام في العملية التنموية العالمية، وبالتأكيد جعلها قادرة على مواصلة برامج التنمية في الداخل.
تحقق أمن دول مجلس التعاون يعني تحقق أمن كامل المنطقة، واستقرار دول مجلس التعاون يؤدي بطبيعة الحال إلى استقرار المنطقة كلها، لهذا يلاحظ أن تركيز قيادات مجلس التعاون في السنوات الأخيرة انصب في مسألة الأمن الذي من دونه تخسر هذه الدول الاستقرار ويسهل من ثم ابتلاعها.
الأخطار التي صارت تحدق بدول المجلس منذ أن بدأ ما سمي بالربيع العربي جعلها تخطو خطوات كبيرة ومهمة لحماية نفسها وشعوبها، واستثمرت ذلك لا في تأكيد استقرارها فقط ولكن أيضا في تأكيد أهمية استقرار المنطقة وأهمية أن تتحول دول المنظومة إلى دول مشاركة في إدارة الأحداث ومؤثرة فيها، وهذا يؤكد ما يتميز به قادة التعاون من حكمة وحنكة وقدرة على توفير الحماية اللازمة لشعوبهم في ساعة العسرة.
كل محاولات زعزعة الاستقرار في دول المجلس باءت بالفشل رغم قوة تأثير بعض الفاعلين وتمكنهم من التحكم في بعض الرؤوس وتحويل أصحابها إلى أدوات هدم لدولهم ومجتمعاتهم. هذا أيضا يؤكد أهمية التكامل الأمني بين دول المجلس وأهمية تطويره وأهمية توسيع مختلف مجالات التعاون والتكامل فيما بينها.
لم تتبين أهمية التكامل الأمني بين دول مجلس التعاون مثلما تبينت اليوم، إذ لولاه، ولولا عزم القادة وإصرارهم عليه، ولولا وعي شعوب التعاون ووقوفهم خلف قياداتهم لتحولت المنطقة برمتها إلى ساحة لا تجف فيها الدماء ولا يسمع فيها غير صوت الألم.
كاتب بحريني