
د. محمد ناجي الكـعـبي
يُعتبر سلمان (سال) خان (Salman Khan) حاليا أشهر مُعلم في العالم من خلال أكاديميته المتخصصة بتدريس العلوم الحديثة ممثلة بالرياضيات والعلوم والإدارة وعلم الحاسب الآلي والتاريخ وبرمجة الحاسوب وتاريخ الفنون والاقتصاد والصحة والطب...إلخ، وتُعرف هذه الأكاديمية الشهيرة باسم أكاديمية خان (Khan Academy)، والتي تأسست سنة 2006. ويعد سلمان خان رائد التعليم من خلال الإنترنت (Online education)، والذي يسعى بشكل حثيث ومُستمر إلى ابتكار أساليب جديدة في مجال التعليم. ومكنت هذه الأكاديمية المعلم سلمان بشكل أساسي أن يصل من خلال دروسه إلى ملايين الطلبة في دول العالم المختلفة، ومكنت هذه الأكاديمية في ذات الوقت أي شخص مرتبط بشبكة الإنترنت أن يرتادها مجانا ليستفيد من دروسها. وأنتجت هذه الأكاديمية العملاقة ما يزيد على 880 مليون درس (فيديو) مجاني قصير. يتناول المواضيع المشار إليها سابقا. ويحتوي موقع هذه الأكاديمية على مسائل للتمارين المرافقة للدروس وعلى أدوات للمعلمين والأساتذة. وتتلخص مهمة هذه الأكاديمية العملاقة بتوفير التعليم ذي الجودة العالية لأي شخص وفي أي مكان وبشكل مجاني.
وتتميز هذه الأكاديمية أنها تقدم دروسا مجانية يستفيد منها الأطفال في مرحلة رياض الأطفال، وهناك دروس لطلاب المدارس الابتدائية (الأساس) والثانوية ومرحلة البكالوريوس والدراسات العليا، ومن هنا نرى أن التنوع في الدروس التي تقدمها أكاديمية خان ملائم لمختلف الفئات العمرية، وهذه واحدة من سمات هذه الأكاديمية. وهناك شراكة تجمع ما بين هذه الأكاديمية ووكالة ناسا الفضائية (NASA) ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) ومتحف الفن الحديث وأكاديمية كاليفورنيا للعلوم بهدف رفد أكاديمية خان بالمواد العلمية.
تتميز شخصية سلمان المميزة بتركه راتبا كبيرا يجعله يترف هو وعائلته، والتفرغ لعمل خيري يخدم البشرية، ومن هنا قد يسأل سائل ومن أين يعيش سلمان وعائلته في كاليفورنيا؟ ومن أين له أن يُغطي التكاليف الباهظة لهذه الأكاديمية غير ربحية، والتي يعمل بها قُرابة المئة موظف؟ والجواب يكمن في أن النظام الضريبي الغربي يتيح لأصحاب الأموال والشركات أن يتبرعوا بجزء من أموالهم لصالح المجتمع، لتُخصم لاحقا من الأموال الضريبية المستحقة عليهم. وورد اسم خان سنة 2012 ضمن قائمة المئة شخصية الأكثر تأثيرا في العالم والخاصة بمجلة تايم (Time)، كما ورد اسمه ضمن قائمة مجلة فورجن (Fortune) الخاصة بأكثر رجال الأعمال تأثيرا، وورد اسمه ضمن القائمة الخاصة بالأكاديميين الأكثر تأثيرا والخاصة بمجلة فوربس.
بلغ عدد المنتسبين إلى هذه الأكاديمية التربوية العملاقة ما يقارب 80 مليون مستخدم مسجل ينتمون إلى 190 دولة حول العالم، أما عدد المشاهدات للدروس من خلال اليوتيوب (YouTube)، فقد قارب البليون مشاهدة، وبذلك يُعتبر سلمان خان الأكثر تأثيرا وشهرة اليوم. وتمثل أكاديميته مؤسسة غير ربحية تهدف إلى تعليم أي شخص راغب بالتعلم مجانا أينما كان. ويعود تاريخ إنشاء هذه الأكاديمية إلى سنة 2006. ولد سلمان خان وترعرع في مدينة نيو اورليانز بولاية لويزيانا في الولايات المتحدة الأمريكية، وأبواه مهاجرين من بنجلاديش والهند. وقد حصل هذا المُبدع على شهادات جامعية عدة تتمثل بدرجة البكالوريوس في الرياضيات ودرجتي البكالوريوس والماجستير في الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) الشهير، ودرجة الماجستير من كلية هارفرد للأعمال (Harvard Business School). ولا بد لنا من الإشارة إلى أن معظم دروس هذه الأكاديمية هي باللغة الإنجليزية، ولكن هناك بعض الدروس العلمية تُلقى باللغات البنجالية والهندية والإسبانية. ويمكن للمنتسب لهذه الأكاديمية أو لمشاهدي اليوتيوب من استخدام الترجمة التي توفرها شركة جوجل بمختلف اللغات. ويُشاهد دروس سلمان خان التعليمية الملايين، ومنهم أبناء مؤسس شركة مايكروسوفت بيل جيتس (Bill Gates)، ويهدف سلمان من خلال هذا المشروع إلى بناء أول مدرسة افتراضية مجانية ذات مستوى عالمي.
لا بد لنا بعد هذه المقدمة عن هذا المُبدع الزاخر بعطائه، أن نبين أن فكرة هذه الأكاديمية تعود إلى طلب ابنة عمه نادية مساعدتها لفهم مادة الجبر من خلال الإنترنت، إلى جانب أشخاص آخرين، لذا وجد سلمان نفسا مُجبرا على تسجيل أفلام فيديوية لدروسه ورفعها (Upload) من خلال اليوتيوب. وقد لاقت هذه الفكرة استحسانا غير متوقع، لأنها مكنت المُتعلم من تحديد ساعة بدء الدرس، والتوقف عند الرغبة، وإعادة الأجزاء غير المفهومة لأكثر من مرة حتى يفهمها، كما فوجئ بالرأي القائل إن التعلم من خلال الفيديو أفضل من أسلوب التعلم وجها لوجه كما هو الحال في الصفوف التقليدية. لقد ساهمت الردود الإيجابية لمشاهدي هذه الدروس الفيديوية في إقناع المعلم سلمان على ترك عمله الذي يدر عليه سنويا عشرات الآلاف من الدولارات، والتفرغ لهذا العمل الخيري الذي يخدم البشرية.
يسعى هذا المُبدع إلى تغيير أسلوب التعليم المُتبع في المدارس والجامعات العالمية، وذلك من خلال جعل الطلاب في مرحلة الدراسة الثانوية أو الجامعية يشاهدون الدروس التي توفرها أكاديمية خان في المنزل كبديل عن المحاضرة التقليدية التي يُلقيها المعلم أو المدرس أو أستاذ الجامعة في كل فصل أو سنة، وبذلك سيقتصر دور المعلم أو المدرس أو أستاذ الجامعة في المدرسة أو الكلية على مساعدة الطلاب على حل المسائل الموجودة ضمن الكتاب المنهجي وذلك ضمن الحصص الدراسية. وبذلك ستستخدم الحصص لمساعدة الطالب على الحل والنقاش، بدلا من الاستماع إلى المحاضرة.
تلقى سلمان خان دعوة لإلقاء محاضرة قصيرة خلال شهر سبتمبر سنة 2016 ضمن مؤتمر (التكنولوجيا والترفيه والتصميم) والمعروف اختصارا بـ (TED)، والذي يحمل شعار «أفكار تستحق المشاركة». وعادة ما يُدعى إلى هذا المؤتمر المفكرون وأصحاب المبادرات الخيرية لإلقاء محاضرة لا تزيد على 18 دقيقة يعكسون من خلالها أفكارهم وتجاربهم. وتدير هذا المؤتمر مؤسسة إعلامية غير ربحية، تقوم بتسجيل محاضرات المؤتمر وتوفيرها مجانا من خلال اليوتيوب (YouTube).
وطرح سلمان خان أفكارا مبتكرة في مجال التعليم خلال محاضرته التي حملت عنوان «لندرس من أجل الإتقان لا الدرجات (العلامات) (test scores)»، وركزت محاضرته على فكرتين أساسيتين في التعليم ألا وهما: الإتقان (Mastery)، والثقة بالنفس (Mindset). فقال: هل يقبل أحدنا أن ينشئ دارا على أساس غير مكتمل؟ بالطبع لا. فلماذا نقبل ضمن الأنظمة التعليمية السائدة حاليا في العالم تنجيح الطلبة ونقلهم إلى مرحلة أعلى وهم لم يفهموا كل الأساسيات (Basics) المطلوبة؟ وقال لقد أدركت منذ بداية تجربتي في مساعدة بنات العم على فهم وحب الرياضيات وتحديداً مادة الجبر أن مشكلة هؤلاء تكمن في تراكم الأفكار الرياضية الأساسية التي لم يفهمونها، مما جعلهم يكرهون الرياضيات، ويرون في الرياضيات مادة لا يمكن فهمها، وبعضهم ظن أنه لا يمتلك مورثة (جين) الرياضيات. وقال مع تزايد شهرة هذه الدروس بدأ البعض يكتب بأنه نشأ على عدم حبه (كرهه) للرياضيات، وأن أمور هؤلاء تسير من سيء إلى أسوء في مواد الرياضيات المتقدمة، ولكن البعض من هؤلاء ومع الثورة التكنولوجية التي شهدها العالم قرر الاجتهاد وسد الثغرات في أساسيات الرياضيات مستعينين بأكاديمية خان.
كلية البريمي الجامعية