
جمال زويد
بسبب حالة اليأس والإحباط الآن في واقع أمتنا العربية والإسلامية، يحسب الكثيرون أن زمن البطولات والانتصار للكرامة والعزة، وعهد النخوة والشهامة والتضحية قد ولّى! وأنه لم يكن له وجود إلاّ في تاريخنا الإسلامي القديم، وأنه منذ أفول ذاك الزمان الجميل لا توجد مبادرات أو أحداث يمكن الفخر والاعتزاز بها. غير أن هذا الانطباع ليس صحيحاً في إطلاقه، إذ إن أمتنا تضعف لكنها لا تموت، تخور قواها وتذبل لكنها تستعيدها وتتجدّد فيها الحياة مثل طائر الفينيق حينما يصحو وينطلق من تحت الرماد.
ويجدر بنا أمام هذا الواقع البائس أن نستحضر بين فينة وأخرى بعض أحداث ووقائع في تاريخنا المعاصر، الحديث وليس القديم فقط. لأجل أن تبقى حاضرة لنا ولأجيالنا، ولأجل أن يعرف الجميع أن جذوة الخيرية وفطرتها باقية في أمتنا مهما دبّ الضعف وتغيّرت الصورة الجميلة.
موريس وبارليف، ربما يجهل البعض ماهية هذين الخطين، لكنهما في واقع الأمر يمثلان في حقيقتهما رمزاً للإرادة العربية والإسلامية، ويحتويان على قصة عزم وتحدٍّ، ربما نحتاج إلى مثلها الآن، وتتطلع الشعوب أو تشتاق لتكرار أحداث هذين الخطّين التي حصلت في القرن الفائت، وليست قروناً قبله.
الخط الأول: موريس، نسبة إلى آندري موريس وزير الدفاع الفرنسي في خمسينيات القرن الفائت. وهو عبارة عن خطين مكهربين من الأسلاك الشائكة يبلغ طولهما (750) كلم وعرضهما من (30 م – 60 م) أنشأتهما فرنسا في العام 1956 ليمثلان حاجزاً على الحدود الغربية والشرقية للجزائر -بلد المليون شهيد- ويكون بمثابة حصن أمني يمنع وصول المساعدات عن الثوار الجزائريين، إذ كانت تتدفق عليهم من دول الجوار العربي مختلف الإمدادات التي لم تستطع كل الإجراءات الأمنية الفرنسية من منعها وعزل الثوار الجزائريين عن دعم عمقهم العربي. فلجأت -فرنسا- إلى إنشاء هذا الخط الشهير (موريس) الذي لم يصمد -أيضاً- أمام شهامة تلك الشعوب (تونس والمغرب وليبيا) ونصرتهم لإخوانهم الجزائريين علماً أن بعض تلك الشعوب كانت لا تزال -آنذاك- تحت سطوة الاستعمار الفرنسي نفسه الذي كان جاثماً على الجزائر! فضربوا بذلك أروع الأمثلة على حجم التكافل والتعاضد والأخوة والنصرة، وسجلوا صفحة بيضاء وملحمة تاريخية لا تقل عن ملحمة أخرى سجلها إخواننا المصريون -أيضاً- عندما حطّموا خط بارليف (الخط الثاني في مقالنا). وهو خط اقترح إنشاؤه حاييم بارليف رئيس الأركان الإسرائيلي في الفترة ما بعد حرب 1967 من أجل تأمين الجيش الصهيوني المحتل لشبه جزيرة سيناء. وبحسب موسوعة (ويكيبيديا) فإن خط بارليف كان يبدأ من قناة السويس وحتى عمق (12) كم داخل شبه جزيرة سيناء على امتداد الضفة الشرقية للقناة وهو من خطين: يتكون من تجهيزات هندسية ومرابض للدبابات والمدفعية وتحتله احتياطيات من المدرعات ووحدات مدفعية ميكانيكية، بطول (170) كم على طول قناة السويس. كان يضم (22) موقعا دفاعيا، و(26) نقطة حصينة، وحصنت مبانيها بالإسمنت المسلح والكتل الخرسانية وقضبان السكك الحديدية للوقاية ضد كل أعمال القصف، و(15) نطاقا من الأسلاك الشائكة وحقول الألغام وكل نقطة حصينة عبارة عن منشأة هندسية معقدة وتتكون من طوابق عدة تغوص في باطن الأرض ومساحتها تبلغ (4000) متر مربع. وبلغت تكلفة إنشائه حوالي (500) مليون دولار.
وبالرغم من متانة هذا الخط وضخامته الذي بات معروفاً بأنه من أكبر خطوط الدفاع في التاريخ، وبأنه حاجز أسطوري يستحيل عبوره بحسب ما روّج عنه الكيان الصهيوني. إلاّ أن الجيش المصري قد حطّم هذا الخط وتمكن بإرادته وعزيمته من اختراقه في السادس من أكتوبر العام 1973 وعبور قناة السويس في لحظة انتصار وبطولة في تاريخنا المعاصر لا بد من استشعارها وتكرار الحديث عنها، خاصة في زمن الانهزام.
سانحة:
منذ عشر سنوات، بالضبط منذ يناير 2006 بعد فوز حركة حماس في الانتخابات النيابية، فُرض على قطاع غزة حصار جائر، تواطأ على استمراره القريب والبعيد. ووسط صمت مريب من العالم الذي يعرف مخالفة هذا الحصار للقانون الدولي، إذ نصّت المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة على حظر ممارسة العقاب الجماعي.
تعجز التقارير والصور عن بيان الحالة المأساوية لمئات الآلاف من إخواننا الفلسطينيين المحاصرين في غزة، برا وبحراً وجواً.. لكن الأمل في وميض العزّة والإرادة التي تجاوزت خط موريس وحطّمت خط بارليف الذي لا يزال قائماً.
كاتب بحريني