
علي بن راشد المطاعني
ali.matani@hotmail.com
التحذيرات التي تصدرها الجهات المختصة حول تنظيم فعاليات واستضافة مختصين وعلماء دين ومفكرين من داخل السلطنة وخارجها، بدون الحصول على تراخيص مسبقة، لها ما يبررها في ظل ما تشهده الساحة الإقليمية والدولية من تجاذبات فئوية وأيديولوجية وسياسية لها أجندتها الرامية همسا للتوغل في المجتمعات وتهديد الأمن الاجتماعي والتدخل في التباينات المجتمعية بطرق سلبية، وشق التوافق المجتمعي بما يبث من أفكار دخيلة، أو التشفي من دول وحكومات شقيقة وصديقة، أو الحديث عن سياسات دول العالم وشؤونها الداخلية، وكل ذلك بالطبع ليس له مكان في السلطنة.
للأسف فإنه ومع انكماش قارات العالم الشاسعة والمترامية الأطراف في بوتقة القرية الكونية الصغيرة بفعل ما فرضته الوسائط الإلكترونية أو ما يسمى بثورة المعلومات، فإن هناك من يحاول استغلال هذه الحقائق الجديدة لتمرير أجندة خفية على حساب المصلحة العليا للوطن وفي تعارض مع الخط السياسي الخاص بالسلطنة والذي بات معروفا في كل عواصم العالم.
لقد تم رصد بعض الملاحظات على من تمت استضافتهم في الفترة الفائتة، من خلال مؤسسات وجمعيات وجهات بدون أخذ التراخيص اللازمة لذلك، وبدون التمعن في السير الذاتية للمحاضرين والمفكرين وعلماء الدين وغيرهم ممن كانوا ضيوفا في تلك الفعاليات، إذ علينا أن لا نكتفي بحسن النوايا لدى استضافة هؤلاء الزوار وعند تنظيم فعالية ما إن لم تكن الأمور واضحة من كل جوانبها لدى الجهات المختصة وبعد التيقن من أن الفعالية لا تتعارض مع النهج الذي عرفت به سلطنة عُمان محليا وإقليميا ودوليا.
فالحرص على سلامة الفكر والعمل بحرص وجدية على تنقيته من الشوائب العالقة به هو تماما كالحرص الذي تبديه الجهات الصحية إزاء سلامة الغداء والذي يجب أن نحرص عليه جميعا إذ ليس هناك مهادنة أو مجاملة فيما يختص بصحة البشر.
عبر هذه الفعاليات يمكن إضعاف النسيج الاجتماعي من الداخل كما يقال عبر تفكيك أواصر العرى الوثيقة التي تربط شرائحه من خلال بعض تلك الفعاليات المتدثرة بالشعارات الثقافية والعلمية والدينية والفكرية والاقتصادية وغيرها من الشعارات البراقة والقادرة على خطف الأنظار، وفي ثناياها تظهر جلية وبنحو مؤسف وبقدر لا يشبه السلطنة من قريب أو بعيد، حيث نجد تلاسنات بين المتحدثين تخرج عن إطار أدب الحوار، ونقاشات سفسطائية وجدالات عقيمة بين المتحدثين والجمهور وما بين الجمهور والجمهور، وبمحصلة فكرية وثقافية تساوي صفرا، وبمعنى أحادي يقول إن مثل هذا الشيء ليس له مكان في هذه الأرض الطيبة التي لا تنبت إلا طيبا كما قال عاهل البلاد المفدى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- في أحد خطاباته.
لا ننكر أن هناك محاضرين وعلماء ومفكرين لهم بصماتهم في العديد من الميادين العلمية خاصة ولا غبار عليهم على الإطلاق وليس هناك مانع يحول دون استضافتهم والاستفادة من علمهم، إلا أن البعض أساء للأسف استخدام ميزة التسهيلات المقدمة في تنظيم الفعاليات تقديرا للعلم والعلماء فاخترق المحظور ثم وقع في براثن الممنوع، هنا فإن الجهات المختصة مضطرة لفرض اشتراطات الترخيص المسبق لأي فعالية يروم رعاتها إقامتها على أرض السلطنة، والجهات المختصة هي بالقطع وزارة الأوقاف والشؤون الدينية والتراث والثقافة والتجارة والصناعة، والتنمية الاجتماعية.
لا نخفي حقيقة أن الكثير من المجتمعات في العالم تئن تحت لهيب التطرف الديني والفكري والعقائدي ونجد التباين والتلاسن محتدما بين فئاته وأطيافه ويصل كما نعلم لمستوى إراقة الدماء وإزهاق الأرواح، تلك المآسي جاءت من مستصغر الشرر ومنذ أن سمحت تلك الدول باستضافة ما نتحدث عنه الآن وبغير أخذ الحيطة والحذر.
ومن ناحية عامة ليس هناك مانع من تنظيم محاضرات وندوات دينية وفكرية وإعلامية وسياسية وغيرها من الفعاليات، وليست هناك أي تحفظات على أي شخصية ما لم تكن هناك ملاحظات عليها تمس أمن البلاد، وهذا خط أحمر متفق عليه وطنيا، ولا يجب أن نسمح لأي كان أن يطأ هذه الأرض ويحمل بين جوانحه معاول الهدم الفكري أو لديه توجهات فكرية مغايرة ومرفوضة لدينا، هذه من البديهيات التي يجب أن نؤمن بها جميعا، وأن نعمل على تجسيدها على أرض الواقع.
نأمل أن نعمل جميعا وبتوافق تام على إتباع الإجراءات المطلوبة في تنظيم أي فعاليات مهما كانت صغيرة أو كبيرة، وأن نحرص على التيقن من التوجهات الفكرية لمحاضريها سواء من الداخل أو الخارج، ومن ثم أخذ التراخيص المسبقة، وليس في هذا الإجراء أدنى انتقاص من أحد ما دام الكل ملتزما بالقانون والنظام، بل إن فيه بالتأكيد تحقيقا لمصلحة البلاد والعباد.