
مارك سوزمان
يعرض المخطط الأولي لميزانية الولايات المتحدة الأمريكية للعام 2018 التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مقترحاً بشأن إجراء تخفيضات حادّة على المساعدات الأمريكية الخارجية، وهو ما سيثير نقاشاً حول دور هذا الإنفاق في تعزيز صحة ورفاهية شعوب العالم الأكثر ضعفاً وتعرضاً للخطر. ويُعدّ هذا النقاش مهماً، لأنه عندما يتعلّق الأمر بالحد من العديد من أسوأ صور اللامساواة في العالم، تبرز أهمية المساعدات بنفس القدر الذي كانت عليه سابقاً، وربما بقدرٍ أكبر لأسبابٍ غير مفهومة على نطاقٍ واسع.
خلال ربع القرن الفائت، أسهمت برامج المساعدات الأجنبية ببدء حقبة من التقدم غير المسبوق في تاريخ الدول النامية، إذ تراجع معدل وفيات الأطفال والفقر المدقع إلى النصف، كما أسهمت الشراكات المبتكرة متعددة الأطراف، مثل الصندوق العالمي والتحالف العالمي للقاحات والتحصين «جافي» -الذي تُعدّ الولايات المتحدة أكبر ممولٍ لهما- في إنقاذ ملايين الأرواح، إذ نجحا في تخفيف عبء الأمراض المعدية مثل الملاريا، والإيدز، والسلّ، كما انضمت مؤسسة بيل وميليندا جيتس إلى هذه المبادرات الهادفة إلى تخفيض تكاليف اللقاحات والتدخلات الطبية الأخرى، لتعزز بذلك من تأثيرها الكبير على الصحة العالمية.
ووفقاً للعديد من الدراسات فإن برامج الصحة والتنمية يتولد عنها أرباح اقتصادية هائلة، فمثلاً في مقابل كل دولارٍ أمريكي يتم استثماره في تحصينات الأطفال، تحقق الدول النامية 44 دولاراً على شكل فوائد اقتصادية تستفيد منها هذه الدول.
ما يزيد المشكلة تعقيداً أن سكان الدول المانحة غالباً ما يبالغون في تقدير المبالغ المالية التي تنفقها حكوماتهم على هذه المساعدات، ففي الولايات المتحدة، تمثل المساعدات الأجنبية أقل من 1% من الميزانية الفيدرالية إلا أن أحد استطلاعات الرأي التي جرت مؤخراً كشف أن 73% من الأمريكيين يعتقدون أن المساعدات الأجنبية تسهم «بشكل كبير» أو «بقدر لا بأس به» في زيادة حجم الدين الوطني.
وثمة مفهوم خاطئ آخر من شأنه أن يفسد تصور الدول المانحة، ويرتكز على فكرة أن منح المساعدات للدول النامية ما هو إلا بادرة من بوادر السخاء الذي لا يعود بأي منفعة ملموسة على الدول المانحة، ولكن الحقيقة عكس ذلك تماماً لأنه من مصلحة الدول المتقدمة، على الصعيدين الأمني والاقتصادي، أن تساعد في تمويل برامج التنمية.
ففي غياب الدعم القائم على المساعدات الخارجية، يستطيع الفقر وعدم الاستقرار المتزايدين أن يجرّا الدول المتقدمة إلى خوض صراعات بعيدة والتسبب بحالة من عدم الاستقرار في عقر دارهم على شكل أزمات الهجرات الجماعية واللاجئين، فضلاً عن انتشار الأوبئة. ولكن عندما يتم استغلال المساعدات لدعم مصادر الدخل المتنامية في الدول النامية، فإن ذلك سيسهم بإيجاد فرص عمل في مجال التصدير على الصعيد المحلي. فمن بين 15 من أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة -وهي دول تتمتع باكتفاء ذاتي وتستهلك سلعاً وخدمات أمريكية- هناك 11 دولة كانت تتلقى مساعدات سابقاً.
كما أن هناك العديد من الدول النامية الأخرى التي تسعى إلى امتلاك زمام مستقبلها، إذ أصبحت هذه الدول تسهم بشكل كبير في تحقيق التنمية من خلال البرامج العامة المحلية التي تدعمها سياسات ضريبية ومالية ذكية، يُضاف إلى ذلك أن هذه الدول تُعطي أولية قصوى لتنفيذ مشاريع الاستثمار في مجالات حيوية، مثل التعليم، وخدمات الرعاية الصحية الأساسية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وهي بمثابة اللبنات الأساسية لبناء مستقبل مزدهر يتميّز بالاكتفاء الذاتي. كما أن الأعمال ورؤوس الأموال الخاصة تقوم بتوسيع دورها في مشاريع التنمية.
فلا يزال أكثر من بليون شخص يعيشون على أقل من دولارٍ واحدٍ يومياً، كما يقضي أكثر من ثلاثة ملايين من الرضّع نحبهم في الشهر الأول من حياتهم. وبالتالي فإن معالجة هذه المشكلات وغيرها من التحديات المزمنة -والتي تأتي ضمن مجموعة الأهداف الطموحة في مجالي الصحة والتنمية التي تسعى الأمم المتحدة لتحقيقها بحلول العام 2030 ضمن أهداف التنمية المستدامة- سيكون أمراً مستحيلاً في غياب مواصلة تقديم المساعدات الإنمائية.
رغم كل هذه الشكوك الراهنة، إلا أنه يحدوني التفاؤل بأن التقدم في مجاليّ الصحة والتنمية على الصعيد العالمي سيواصل مسيرته، ونظراً لعملي في هذه المجالات قرابة عقدين من الزمن لدى الأمم المتحدة وحالياً في مؤسسة بيل وميليندا جيتس، أدرك بأن قضية المساعدات الإنمائية قد باتت واضحة وملحةً، وأعتقد أن العالم لن يدير ظهره للتحدي التاريخي المتعلّق بتقليص الفوارق في الصحة العالمية، والقضاء على الفقر المدقع، وبناء عالم أكثر إنصافاً وأمناً.
كبير مسؤولي الاستراتيجية ورئيس إدارة السياسات
العالمية والدعوة بمؤسسة بيل وميليندا جيتس