البناء بعيدا عن فعـل الارتجـال

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٢/أبريل/٢٠١٧ ٠٤:٤٠ ص
البناء بعيدا عن 

فعـل الارتجـال

فريد أحمد حسن
من الأمور الصحيحة التي لا يختلف بشأنها أن «كل شيء مرتجل قليل النجاح»، ولعل الأكثر صحة القول إن كل شيء من هذا القبيل لا يبلغ النجاح أو حتى بعضا منه، إذ الارتجال والنجاح ضدان، ولا يمكن للثاني أن يصير نتيجة للأول إلا في حالة واحدة هي «ضربة الحظ»، وهذا أمر نادر ولا يعول العاقل عليه. النجاح يأتي نتيجة للفعل المخطط له جيدا والمنفذ جيدا، وهذا يتطلب توفر رؤية وبعد نظر وقدرة على قراءة الواقع واستشراف المستقبل، إذ من دون هذا لا يمكن أن يتحقق النجاح وإن توفر المال، فالمال وحده لا يمكن أن يأتي بالنجاح بل على العكس قد يعيقه ويبدده لو حصل بضربة حظ.

في الحرب، عندما تقدم على هجوم لا تعلم فيه عن خصمك شيئا أو أنك لا تعلم عنه إلا القليل ومع ذلك تتخذ قرارا بالهجوم فإن الأكيد هو أنك تخسر الحرب، فالنتيجة هنا معلومة سلفا ولا تحتاج إلى ذكاء. ليس هذا فحسب ولكن حتى لو اتخذت قرارا بالهجوم وحققت اختراقا ولم تكن تعرف ماذا ستفعل بعد هذا فالنتيجة هي تذوقك طعم الهزيمة. في السياق نفسه مهم التأكيد على أن نجاح الخطة على الورق لا يعني نجاحها عند التطبيق. لهذا لا يوجد عاقل يقدم على أي عملية ليس واثقا من نجاحها، والأكيد هو أن كل العمليات التي فشلت كان سببها الرئيس هو الإقدام غير المدروس والمراهنة على الحظ والظروف.

بناء على هذه الحقائق يمكن الجزم أن النجاح الذي تذوق سلطنة عمان الحديثة طعمه اليوم ويتمتع به الشعب العماني هو نتاج فعل تم التخطيط له جيدا وبني على رؤية واضحة وقدرة على قراءة الواقع بشكل جيد وقدرة على استشراف المستقبل، وهو بالضبط ما قام به حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله-، فلم يترك فرصة للارتجال كي يحظى حتى ولو بهامش بسيط في عمله وأخضع كل شيء إلى استراتيجيات تم اعتمادها بعد دراستها دراسة مستفيضة فتمكن جلالته من رؤية ما فيه عُمان اليوم مع اللحظة الأولى التي وضع فيها حجر الأساس للسلطنة في ذلك اليوم التاريخي الذي تسلم فيه مقاليد الحكم في البلاد.
كل ما في عُمان اليوم لم يأت نتيجة ضربة حظ وليس صدفة، ولكنه نتاج عمل دؤوب تم التخطيط له جيدا ونتاج رؤية واضحة لقائد قادر على استشراف المستقبل يعرف متى يقدم ومتى يتأخر، ويعرف لماذا يقدم ولماذا يتأخر. ولأن الاهتمام بالبشر كان أكبر في رؤية صاحب الجلالة من الاهتمام بالحجر لذا تمكن جلالته من إكساب شعبه ما يلزم من قدرات وخبرات فصار يقوم بعملية البناء بنفسه ويضيف في كل يوم جديدا يبهر العالم ويجعله يلتفت إلى هذه المسيرة التي هي بكل المقاييس مذهلة.
الناتج الطبيعي لما أقدم عليه صاحب الجلالة منذ تسلمه القيادة والذي صار العالم كله يعرف اليوم أن جلالته كان يعرف كل خطوة تالية للخطوة التي يخطوها بل يعرف نتاجها وتأثيرها وهو توفر كل الخبرات التي تنهض اليوم بالحياة في السلطنة، فاليوم يتوفر في السلطنة الطبيب العماني والمهندس العماني والأكاديمي العماني، ويتوفر العماني في مختلف التخصصات التي تحتاجها السلطنة وتسهل لها ليس فقط التعامل مع المستقبل ولكن المشاركة في صنعه أيضا.
سلطنة عمان الحديثة بنيت بعيدا عن فعل الارتجال، لهذا فإنها برزت كمثال وصارت نموذجا يحتذى ويستحق الدرس والبحث، ومدرسة يتعلم منها كل راغب في تحقيق النجاح ومعرفة أصوله وأساليبه. ليس هذا حديث مجاملة للسلطنة وقائدها ولكنه الواقع الذي يراه الجميع ويدركه وينبغي أن يشار إليه بالبنان ويتعلم منه كل من لم يذق طعم النجاح من قبل أو أنه أقدم سعيا للنجاح ولكن من دون أن يعلم شيئا كثيرا عن الخطوات التالية لخطوته الأولى.
حالة النجاح الذي تعيشه السلطنة اليوم بفضل الله سبحانه وتعالى وتوفيقه أولا وبرؤية وهمة صاحب الجلالة باني نهضتها ثانيا يفسرها الكم الكبير من رسائل الامتنان التي ينشرها يوميا أبناء السلطنة ذكورا وإناثا، كبارا وصغارا، عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي ليعبروا عن شكرهم وتقديرهم لكل فعل قام به صاحب الجلالة وكان ترجمة لرؤيته وما يتمتع به من بعد نظر وحكمة ودراية.
لكن الاستمرار في النجاح لا يكفيه التعبير عن الامتنان وإن كان واجبا وتأكيدا على وفاء هذا الشعب لقائده ووسيلة حب وتقدير لجلالته، فالأمر يحتاج أيضا إلى السعي إلى مزيد من النجاح بمعرفة ما ينبغي القيام به بعد عملية الاختراق، إذ إن الاختراق ليس هو الغاية ولكنه الهدف المرحلي الذي إن لم يعرف الشعب الخطوة التالية له ابتعد عن النجاح ولم يعرف سبيلا إلى المستقبل الذي لا بد أن يعمل من أجله فيبني على ما بناه صاحب الجلالة، ويكون بهذا قد حفظ حق جلالته وعبر عن وفائه له بشكل عملي.

كاتب بحريني