ليست كرة القدم! تشــاؤل

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ١١/أبريل/٢٠١٧ ٠٤:٣٠ ص
ليست كرة القدم!

تشــاؤل

محمد بن سيف الرحبي
www.facebook.com/msrahby
alrahby@gmail.com

من الكتب التي قاربت شغفي مرتين، كتاب «كرة القدم في الشمس والظل» لإدواردو غاليانو (ترجمة صالح علماني) لأنه أثار شغفاً قديماً متجذراً فيّ يتعلق بلعبة كرة القدم، والآخر بهواية القراءة، وكلاهما بدأ منذ الصغر، ويجمعها الآن كلمة «المطالعة»، حيث لا طاقة لي الآن على ركل «الساحرة المستديرة» خشية أن ترتدّ عليّ نقمة، ولا يتحمل الاتحاد كلفة علاج ما قد يصيبني من انهيارات جسدية!!

أخرج من «المزاح» إلى «الجد»، وأقول إن هذا الكتاب قدّم اللعبة الشعبية الأولى على مستوى العالم من نطاقها «الرياضي» إلى رؤى واسعة، أدبية ونفسية وإنسانية، والمعنيان الأخيران يندرجان تحت الأول حينما يكتب الحكايات عن شخصيات عايشت لحظة الفرح والألم، ومواقف جسدت المجد والسقوط منه، حينما لا تبدو ككرة قدم فقط، الفوز مجد وطن والخسارة كارثة قومية، وقد أهدى غاليانو كتابه إلى «أولئك الأطفال الذين التقيت بهم ذات مرة، قبل سنوات عديدة، في كاليّا دي لاكوستا، كانوا عائدين من لعب كرة القدم وهم يغنون:
ربحنا أم خسرنا/‏‏ لن تتبدل متعتنا، متعتنا تبقى كما هي/‏‏ سواء أخسرنا أم ربحنا.
يقول غاليانو إن تاريخ كرة القدم «رحلة حزينة من المتعة إلى الواجب»، تبدأ مع الصغار، فقد سأل أحد الصحفيين المنجمة الألمانية دوروثي سولل: كيف توضحين لطفل ما هي السعادة؟ فردت عليه: لا أوضح له، بل أعطيه كرة ليلعب، ويفلسف المؤلف اللعبة لتبدو ممارستها «استعراضا» من مواصفاته أن «فيه قلة من الأبطال وكثرة من المشاهدين»، حيث غدت لعبة «للنظر» بما حوّل الاستعراض إلى «واحد من أكثر الأعمال التجارية ربحاً في العالم، لا يجري تنظيمه من أجل اللعب وإنما من أجل منع اللعب».
يصف غاليانو اللاعب بأسلوب أدبي ممتع، إنه «يركض لاهثاً على شفير الهاوية، في جانب تنتظره سماوات المجد، وفي الجانب الآخر هوة الدمار» فمع الشهرة التي يحسده عليها «الحي الشعبي» الذي جاء منه فإنه يبدو كمن ربح اليانصيب، «فالنساء يتنهدن من أجله، والأطفال يريدون تقليده»، ومع ذلك فإنه يتوجب عليه «أن ينضح عرقاً مثل مرشة، دون أن يكون له الحق في التعب أو الخطأ».
يمنح المؤلف توصيفاته سخرية أدبية تحفز على المضي في الكتاب، لأنها تضع الأشياء في مقاربات إنسانية (وواقعية) رغم نصاعة الصورة التي تبدو للمشاهير، فاللاعب يشيخ قبل الثلاثين، أو قبلها إن حدث له شيء، فيكتشف أنه غامر بحياته، والحارس «نستطيع أن نسميه الشهيد، الوثن، النادم، أو المهرج الذي يتلقى الصفعات. ويقولون إن المكان الذي يطأه لا ينبت فيه العشب أبداً، إنه وحيد، محكوم عليه بمشهدة المباراة من بعيد، ينتظر وحيداً إعدامه رمياً بالرصاص بين العوارض الثلاث».
كتاب «ساحر» عن مستديرة ساحرة، ترقص البلدان لأجلها وتسهر إن لامست شغفها بالنصر، وتذرف الدموع حسرة وتوجعا لأن الحظ لم يكن واقفا مع فريقها في الموعد المحدد، إنما هي كما نقل المؤلف عن صديقه آنخل روكو تمتلك القدرة على الإدهاش «فمهما برمجها التكنوقراطيون حتى في أدق التفاصيل، ومهما احتكرها الأقوياء، ستبقى كرة القدم ترغب في أن تكون فن الارتجال. فالمستحيل يقفز إلى الواجهة، حيث لا ينتظره أحد، فترى القزم يلقن المارد درساً، أو ترى زنجياً هزيلاً يبعث الجنون في الرياضي الإغريقي ذي الجسد المنحوت».