موجيسولا أوجيبود
أصدرت الأمم المتحدة تقريرا جديدا يتخذ موقفا مثيرا للجدل حيال المبيدات الاصطناعية، وتقول الحكمة القديمة إنها أساسية لإطعام سكان العالم المتنامي والذي من المتوقع أن يصل إلى تسعة بلايين بحلول العام 2050 ولكن من وضع التقرير أطلق اعتمادنا على المبيدات الاصطناعية تعليقا يقول «حل قصير الأمد يقوض الحق في كفاية الغذاء والصحة للأجيال الحاضرة والمستقبلية»، والتقرير على حق في ذلك.
لقد شاهدت بأم عيني بعد التركيز على التحكم في خسائر ما بعد الحصاد ما يحدث عندما لا يكون استخدام المبيدات الاصطناعية منظما على النحو الصحيح ومع ذلك لا يزال أغلب العالم يتبع الحكمة القديمة، مع عواقبها الوخيمة على الصحة العامة.
ويبدو أن الولايات المتحدة تستعد لزيادة استخدامها الكبير للمبيدات، وفي الشهر الفائت تأكد أن المحامي العام الأسبق في أوكلاهوما سكوت برويت سوف يشغل منصب مدير في وكالة حماية البيئة، ويبدو أن برويت الذي رفع قضايا على وكالة حماية البيئة مرات عديدة في وظيفته السابقة قد عقد العزم على تخفيض ميزانيتها وتفكيك الكثير من لوائحها بما في ذلك اللوائح المتعلقة بالمبيدات وهي ضرورية لضمان حماية الأغذية.
وأي شخص يستهلك الأغذية التي زرعت أو أنتجت في الولايات المتحدة لا بد أن يشعر الآن بالقلق. وبالفعل فإن تفكيك وكالة حماية البيئة هو بمثابة قنبلة موقوتة تهدد الصحة العامة وهي قنبلة انفجرت مرارا وتكرارا في الدول النامية.
في العام 1984 سرب مصنع لتصنيع المبيدات في بوبال بالهند، 27 طنا من إيزوسيانات الميثيل وهو غاز يستخدم لإنتاج بعض أنواع المبيدات وقتل التسرب ما يقدر بخمسة عشر ألفا إلى عشرين ألف شخص، وخلف وراءه عدة آلاف آخرين مصابين بعاهات مستديمة والمصنع كان ينقصه العدد الكافي من القوى العاملة وكانت إجراءات التشغيل والسلامة فيه دون المستوى ولم يكن أي من أنظمة السلامة الستة التي كان من الممكن أن تمنع الحادث يعمل.
وتظل مأساة بوبال أسوأ كارثة صناعية في العالم، ولكنها جزء بسيط من منظومة هائلة من المعاناة التي نحن في غنى عنها. وتقدر منظمة الصحة العالمية أن هناك ثلاثة ملايين حالة من التسمم بالمبيدات في جميع أنحاء العالم كل عام مما ينجم عنه حوالي 250,000 حالة وفاة.
وفي العام 1996 على سبيل المثال، وصلت حبوب الفاصوليا البنية المعالجة بالمبيدات التي من المفترض أنها مخزنة للزراعة طريقها إلى السوق النيجيري، وهذا «تسرب» مرتبط بوفيات عدد من الأشخاص في المنطقة الجنوبية الغربية للبلاد. وفي العام 2013 في الهند قتل مبيد فوسفات عضوي 23 طفلا تناولوا وجبة غداء مكونة من الأرز الملوث والبطاطس وفول الصويا.
وتقع هذه النوعية من الكوارث حتى عند وضع إرشادات تسجيل المبيدات واستخدامها. وفي نيجيريا على سبيل المثال حظرت الوكالة الوطنية لإدارة الغذاء والدواء والرقابة 30 نوعا من الكيماويات الزراعية (المبيدات والأسمدة) العام 2008 بعد أن وقعت حالات عدة من الوفيات والتسمم. ولكن هذا لم يكن كافيا لمنع الوفاة من تسمم المبيدات لثمانية عشر شخصا في ولاية أوندو في نيجيريا العام 2015.
ولم يقتصر خطر عدم كفاية التنظيم على الكوارث الحادة، بل إن تراكم المواد السامة من الكيماويات المستخدمة في الحقول وفي التخزين يسهم كذلك في الانخفاض المستمر في جودة بيئتنا الطبيعية، أي التربة والماء والهواء.
وربطت أكثر من 250 دراسة بين الكيماويات الزراعية وبين أنواع مختلفة من السرطان ومنها سرطان المخ والثدي والقولون والكبد والرئتين والبروستاتا والغدة الدرقية. ويبدو أن الأطفال معرضون بوجه خاص للتأثيرات السامة للمبيدات، فلقد أظهرت الأبحاث أن زيادة حالات الإصابة بسرطان الدم (اللوكيميا) وسرطان المخ عند الأطفال يمكن أن تكون بسبب التعرض المبكر للمبيدات. وارتبط التعرض لهذه الكيماويات بمجموعة متنوعة من العيوب الخلقية.
وكل هذا ساهم في رسم هذه اللوحة الكئيبة عما يمكن أن يحدث في الولايات المتحدة إن تمكن خصوم وكالة حماية البيئة ومن ضمنهم مدير الوكالة نفسها من الوصول إلى أهدافهم. وفي عامي 2006 و2007، استخدمت الولايات المتحدة أكثر من خمسة بلايين رطل من المبيدات سنويا وكان هذا مع وجود لوائح وكالة حماية البيئة، وبدون لوائح كافية فإن هذه الكميات سوف تتضاعف على الأرجح.
وبالطبع فإن الولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة المعرضة لخطر الإفراط في استخدام مركبات الفوسفات العضوية، ومع أن استخدام المبيدات في الدول النامية أقل بكثير عنه في الولايات المتحدة، إلا أن البيانات الواردة من منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) تظهر أن هناك زيادة مستمرة في الدول الموجودة في أفريقيا وآسيا. ويبحث المزارعون في هذه المناطق عن طرق سهلة لخفض خسائر المحاصيل وزيادة دخلهم، وهذا أمر يمكن تفهم أسبابه علما أن هناك عددا قليلا من اللوائح السارية لإيقافهم.
وفي الواقع فإن منظمة الفاو تعلن أن أغلب حالات التسمم بالمبيدات تحدث في الدول النامية، وسبب هذا على وجه التحديد هو أن المعايير الصحية في هذه الدول غير كافية أو لا توجد على الإطلاق. ووجد تقرير الأمم المتحدة أن 35 % فقط من الدول النامية كان لديها إرشادات تنظيمية حول استخدام المبيدات وجميعها تكافح من أجل تطبيق تلك الإرشادات.
وينبغي أن تطبق الدول النامية آليات أكثر فاعلية لمراقبة الكيماويات الزراعية المنتشرة، وينبغي كذلك أن تعمل على خفض استخدام المواد الكيماوية السامة للتحكم في الآفات وزيادة المحصول، لاسيما من خلال دعم البدائل العضوية التي لا تمثل مخاطر واسعة الانتشار على الصحة والبيئة.
ولقد كانت هذه الأساليب العضوية تستخدم في الدول لقرون عديدة قبل مقدم المبيدات الاصطناعية الحديثة في فترة الأربعينيات. وعلى سبيل المثال يمكن أن يساعد السماد العضوي في زيادة المحاصيل الزراعية، وكذلك تفعل المبيدات العضوية المشتقة من النباتات. وهذه الأساليب الطبيعية التي تتسم بأنها فعالة وغير سامة، لا بد من تبنيها ليس فقط في الدول النامية ولكن في جميع أنحاء العالم.
قد يكون للمبيدات الاصطناعية مكان في المساعدة في إطعام عالم يزداد جوعا وخاصة في الدول النامية، ولكننا لا بد أن نتخيل عدد حالات الوفاة والتسمم التي نحن بغنى عنها والتي من الممكن أن تحدث ما لم يتم استخدام تلك المبيدات بأقصى درجات العناية والحيطة. وإن تعذر على الأمريكيين تخيل ذلك، فإن حلم برويت، إن لم يتم إعادة النظر فيه، سوف يصبح كابوسا بالنسبة لهم.
أستاذة الكيمياء الحيوية في نيجيريا