عداء ترامب للبيئة

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٠/أبريل/٢٠١٧ ٠٣:٤٥ ص
عداء ترامب للبيئة

مارك مالوك براون
إن العلاقة بين قطاع الأعمال والسياسة والبيئة على وشك أن تصبح أكثر تعقيداً؛ فبينما يهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتفكيك الحماية البيئية الحيوية والتي استمر بعضها لعقود طويلة فإن قادة قطاع الأعمال يدركون بشكل متزايد- ويتصرفون على هذا الأساس- الحاجة لسياسات مستدامة بيئياً.

إن ترامب والذي وصف التغيّر المناخي في إحدى المرات على أنه خدعة صينية تهدف لإضعاف الاقتصاد الأمريكي، قد قام بالفعل بإلغاء قانون حماية المجاري المائية والذي يمنع منتجي الفحم من إلقاء المخلفات في مجاري المياه، علماً أن القادم على طريق الإلغاء قد تكون خطة الطاقة النظيفة والتي تحد من انبعاثات غاز الدفيئة من محطات التوليد- والتي تعتبر حتى الآن أكبر مصدر لانبعاثات ثاني أكيد الكربون في البلاد- والتي تهدف إلى خفض التلوث الكربوني من قطاع الطاقة إلى 32 % أقل من مستويات 2005 بحلول سنة 2030، كما هددت إدارة ترامب بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ والتي التزمت بها حكومات العالم سنة 2015.

قبل عقد من الزمان كان قادة قطاع الأمل سيرحّبون بشكل عام بهذه السياسات البيئية الرجعية التي يمكن أن تخفض التكاليف وتوسع الفرص عن طريق تقليل القيود على سلوك شركاتهم، ولكن اليوم وبينما تتجاوب الأسواق بشكل متفائل مع تعهدات ترامب «الصديقة لقطاع الأعمال»- تشمل تلك التعهدات ليس فقط إلغاء الضوابط التنظيمية والتخفيضات الضريبية ولكن أيضاً خطة بنية أساسية قيمتها تريليون دولار ستتضمّن إعادة إحياء الفحم- إلا أن قادة قطاع الأعمال ما زالوا حذرين.
إن لهؤلاء على وجه الخصوص تحفظات قوية على الانسحاب المحتمل من اتفاقية باريس للمناخ، فمهما كانت الفوائد التي يمكن الحصول عليها من اقتصاد بضوابط تنظيمية أقل فإنها لن تعوض عن الضرر الذي سيحدث من التراجع عن التزامات بيئية ينظر إليها على أنها حيوية لنجاح قطاع الأعمال الأمريكي.
لقد بدأ بعض قادة قطاع الأعمال بالحديث فعلاً عن هذا الموضوع، فمنذ انتخاب ترامب وقّع حوالي 900 مستثمر وشركة والعديد منهم أمريكيون، على رسالة مفتوحة «قطاع الأعمال يدعم الكربون المنخفض» يدعون فيها الإدارة الأمريكية بعدم الانسحاب من اتفاقية باريس. إن هذه الشركات والتي تتضمّن شركات كبيرة متعددة الجنسيات، تؤمن أن الفشل في بناء اقتصاد منخفض الكربون سيعرّض الازدهار الأمريكي للخطر.
إن البحوث الأخيرة كانت قاطعة في دعم وجهة النظر تلك، فالدراسة التي قامت بها مؤسسة ابتكار الطاقة أظهرت أن إلغاء خطة الطاقة النظيفة وحدها يمكن أن يكلّف 600 بليون دولار أمريكي ويتسبب في 120 ألف وفاة مبكرة بحلول سنة 2050.
على النقيض من ذلك فإن الجهود لبناء اقتصاد أكثر استدامة سيجلب فوائد أكبر بكثير، فلقد أظهر تقرير في ديسمبر 2016 أعدته مؤسسة مخاطر قطاع الأعمال وشارك فيه رؤساء تنفيذيون أمريكيون بالإضافة إلى قادة سابقين على المستوى البلدي والفيدرالي، أن التوفير في تكاليف الوقود من تخفيض بمقدار 80 % في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحلول سنة 2050 يمكن أن يتجاوز الاستثمارات الرأسمالية المطلوبة بمقدار 150 بليون دولار أمريكي.
في يناير الفائت قدّرت مفوضية قطاع الأعمال والتنمية المستدامة والتي أترأسها، في تقريرها الرئيسي، أن الشركات قد تحقق مبلغ 12 تريليون دولار أمريكي على شكل إيرادات وتوفير في حالة تطبيق نماذج أعمال مستدامة ومثل هذه النماذج قد توجد كذلك حوالي 380 مليون وظيفة بحلول سنة 2030 في قطاعات اقتصادية مهمة بما في ذلك الطعام والزراعة والطاقة والنقل والصحة والحكومة البلدية، ففي قطاع الطاقة وحدة تقدر الفرص بمبلغ 4.3 تريليون دولار أمريكي.
إن إستراتيجيات الشركات تتوافق بشكل متزايد مع تلك النتائج، ففي سنة 2005 وفي أعقاب إعصار كاترينا والذي دمّر ساحل الخليج الأمريكي وأثّر على جزء كبير من قاعدة المستهلكين الإقليمية لشركة والمارت، ألقى الرئيس التنفيذي للشركة آنذاك ليو سكوت، خطاباً مهماً بعنوان «قيادة القرن الحادي والعشرين» لجميع موظفي الشركة. لقد حدد سكوت أهدافاً بيئية كبيرة كجزء من رؤية أشمل لوالمارت من أجل أن تصبح الشركة مواطناً تجارياً أكثر مسؤولية.
واليوم والمارت هي من كبار المستخدمين التجاريين للطاقة الشمسية والطاقة المتجددة إذ تحصل على حوالي 25 % من استهلاكها العالمي للطاقة من الموارد المتجددة (إن هدف الشركة الذي حدده سكوت هو الاعتماد بشكل كلي على الطاقة المتجددة). إن قيام والمارت بزيادة فعالية أسطولها من الشاحنات في الولايات المتحدة الأمريكية يعني أنها تجنبت بث انبعاثات تصل لحوالي 650 ألف طن متري من ثاني أكسيد الكربون من 2005 إلى 2015 وقامت بتوفير حوالي بليون دولار أمريكي تقريباً في سنة 2016 لوحدها.
لقد تبنّت شركة أمريكية أخرى وهي مارس مساراً مماثلاً. إن مارس وهي من الشركات الموقعة على رسالة قطاع الأعمال تدعم الكربون المنخفض وتعمل على إزالة انبعاثاتها من غاز الدفيئة بشكل كامل بحلول سنة 2040 وذلك من خلال فعالية واستثمار أكبر في مشاريع الطاقة المتجددة مثل توربينات الرياح. إن الرئيس التنفيذي للشركة جرانت ريد هو أيضاً عضو في مفوضية قطاع الأعمال والتنمية المستدامة.
لكن بينما توجد حاجة لروح القيادة ضمن قطاع الأعمال والعمل الجماعي من أجل إيجاد اقتصاد مستدام وشامل (وهي الرسالة المركزية لتقرير مفوضيتنا) فإن القطاع الخاص لا يستطيع عمل ذلك لوحده، إذ يتوجب على الحكومة أن تكون شريكاً نشطاً يساعد في توسيع نطاق النشاطات المستدامة عن طريق إيجاد ظروف السوق التي تحفز «سباق نحو القمة» وتوفير التمويل اللازم لإبقاء أمريكا تنافسية وابتكارية.
لا يكفي ببساطة الاعتراض على سياسات ترامب المضرة بالبيئة، فقطاع الأعمال يحتاج لدعم إدارة ترامب وذلك حتى توجد السلطات الأمريكية البيئة الضرورية لتشجيع الممارسات المستدامة والابتكار الأخضر، ومثل هذه البيئة قد تتضمن تسعير الكربون والذي تقوم به أعداد متزايدة من الشركات داخلياً بالإضافة إلى الإعفاءات الضربية المتعلقة بكفاءة الكربون.
لقد استفادت شركات ترامب نفسها من مثل هذه التدخلات الحكومية، وكما كشفت صحيفة نيويورك تايمز مؤخراً فلقد تمكن ترامب سنة 2012 من الحصول على حوالي مليون دولار أمريكي من حوافز فعالية الطاقة والقروض منخفضة الفائدة من ولاية نيويورك.
إن وجود دعم كبير من الرؤساء التنفيذيين للشركات على أساس غير حزبي يمكن أن يكون المفتاح لتحفيز العمل المطلوب، فقبل مؤتمر باريس للمناخ كان السياسيون يعرفون أن النشطاء البيئيين يريدون صفقة للحد من التغيّر المناخي، إذ يمكن القول إن الذي دفع هؤلاء النشطاء للتصرف في نهاية المطاف هو اكتشافهم أن الرؤساء التنفيذيين للشركات ومجالس إدارتها كانت تفكر بالطريقة نفسها.
يحتاج قادة قطاع الأعمال أن يظهروا لترامب أنهم لا يدعمون الفحم والتلوث والاحتباس الحراري، فهم عاقدو العزم على دعم الحركة البيئية المستنيرة والتي تصب في مصلحة جميع أصحاب المصلحة لدى تلك الشركات أي الزبائن والمساهمين والموظفين والمجتمعات التي يعملون فيها.

نائب الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة