اليمن والخليج.. من خذل الآخر؟

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٦/أبريل/٢٠١٧ ٠٤:٤٥ ص
اليمن والخليج.. من خذل الآخر؟

علي ناجي الرعوي
تمثل الجغرافيا اليمنية البوابة الجنوبية للخليج العربي، إذ تتماس حدودها مع السعودية والسلطنة مما يجعلها تؤثر وتتأثر بهذا الجوار الجيوسياسي، وتتشارك معه كل التفاعلات بحكم ذلك الارتباط العضوي في نسيج العلاقات الاجتماعية والثقافية والتاريخية والأمنية والاقتصادية، وإلى جانب ذلك فإن اليمن يحتل موقعا استراتيجيا مرعبا في تميزه، وأقول مرعبا لأن من حوّله إلى موقع جيوبوليتكي يؤثر ليس بجواره وحسب وإنما في العديد من المصالح الإقليمية والدولية، فهو من يتحكم بالركن المائي الجنوبي والغربي لدول الخليج ويطل على خليج عدن ومضيق باب المندب الذي يعد معبرا مهما للتجارة الدولية ومادتي النفط والغاز اللتين يجري تصديرهما من بلدان المنطقة إلى بلدان العالم، ناهيك عن أن اليمن يتكئ على اليابسة الأخيرة لأراضي العرب في جنوبي غرب آسيا، وهو ما يعني معه أننا أمام بلد يتربع على موقع حساس يجذب كل أنماط الحرب عليه خصوصا إذا ما كان ذلك البلد هو اليمن الذي تتقاذفه عواصف أمنية وسياسية ومعادلات إقليمية ودولية هي الأخطر في تاريخه، والأهم على مستوى المنطقة الأمر الذي أصبح معه هذا البلد محط الكثير من التجاذبات الداخلية والخارجية التي أفقدته عوامل الاستقرار وسبل الأمن والشروط المثلى التي تسمح له بأن يصبح دولة جاذبة لجواره الخليجي ومنظومته التي يصفها البعض بـ (نادي الأغنياء).

وحين نتحدث عن اليمن فإننا نتحدث عن بلد يمثل أيضا أهم نقاط المجال الحيوي الخليجي وتتوفر له خصائص جغرافية وإستراتيجية لا يضاهيه فيها إلا دول قليلة جدا، ورغم كل هذه الأهمية فقد ظل خارج منظومة مجلس التعاون الخليجي وخارج اهتمام السياسيين في تلك المنظومة، مع أن الكثير من الدراسات المتخصصة تقول إن اليمن الذي يتجاوز تعدد سكانه الـ28 مليون نسمة يمتلك مقومات متعددة تؤهله لأن يصبح أحد أهم البلدان المزدهرة تنمويا ونهضويا في منطقة الشرق الأوسط لو أن دول الخليج سعت من وقت مبكر إلى احتوائه وإدماجه في نطاق مصفوفتها السياسية والاقتصادية، لكن إجراء كهذا كثيرا ما قوبل بالمواقف المترددة ما سمح بانحدار هذا البلد نحو مستويات مرعبة من الفوضى والحروب والصراعات والكوارث الماحقة وذلك كان متوقعا بعد (اللات) الخليجية الكبيرة والقاطعة التي انعكست بدورها على واقع وحاضر اليمن الذي أصبح اليوم يمثل دون منازع أكبر تجمع للفقراء والمعوزين ويقترب من مجاعة ربما تكون الأسوأ على مستوى العالم.

ليس من الصعب أن يسمع المرء مثقفا أو سياسيا خليجيا يتحدث عن أن اليمن طوال حوالي 100 عام من الاستقلال عن الولاية العثمانية و50 عاما من النظام الجمهوري وربع قرن من الوحدة بين شطريه الشمالي والجنوبي قد فشل في بناء دولة مدنية ولو بالحد الأدنى من المعاصرة، وأن ذلك يرجع إلى الطابعية القبلية التي لا تزال تسيطر على أبنائه وأنه بفعل هذا الموروث فقد كان من الصعب على دول الخليج القبول بمبدأ انضمام اليمن إلى مجلس التعاون على اعتبار أن خطوة كهذه ليست أكثر من مغامرة غير محسوبة بالنظر إلى التمايزات القائمة بين اليمن ودول الخليج أكان ذلك من حيث طبيعة النظام السياسي أو من حيث الهوة الواسعة القائمة بين الاقتصاد اليمني والاقتصادات الخليجية، وأكثر من ذلك فإن هناك بين النخب الخليجية من لا يزال يختزل صورة المجتمع اليمني بنمطية النموذج القبلي الذي لا تنطبق عليه ماهية ومركبات المجتمع المدني الذي يمكن له أن ينصهر ضمن دولة حديثة ومتطورة يقبل بها المحيط الجغرافي وهذا الانطباع لا شك وأنه من ساهم إلى حد كبير في إفساد صورة الإنسان اليمني في مخيلة الخليجيين، إذ إن المواطن الخليجي لا يرى من أهل اليمن إلا عاملا بسيطا أو مزارعا يخشى الانسلاخ عن امتداده الجيني أو بيئته التي تتنازعها ثلاثية (القات - السلاح - الثأر).
وتأسيسا على هذه النظرة السطحية فقد ترسخت المخاوف المبالغ بها عن اليمن وتقلصت في ضوء تلك المخاوف فرص انضمام اليمن إلى المنظومة الخليجية وبقدر ما عبر هذا التوجه عن غياب البعد الاستراتيجي داخل تلك المنظومة فإنه الذي تحول إلى استراتيجية لكسر تطلعات اليمنيين الذين طالما انتظروا اليوم الذي يصبح فيه وطنهم مندمجا في إطار كينونته الإقليمية والجغرافية والحق أن من بنوا مواقفهم من منظور أن اليمن لكي يصبح مؤهلا للانضمام لمجلس التعاون لا بد له أولا أن تكون له دولة مؤسسات تدير المجتمع بكل تناقضاته غير أن هؤلاء مع الأسف يغفلون الوجه الآخر للحقيقة والذي يفصح إجمالا عن أن السبب الحقيقي في إخفاق كل المحاولات لتأسيس دولة حديثة ومدنية في اليمن ليس ناتجا عن الطابعية القبلية للمجتمع اليمني وإنما يعود للدور السلبي الذي لعبته بعض الدول بعيدا عن المصالح البديهية والمفترضة بتبنيها سياسة قائمة على الإضعاف المنهجي لقيام الدولة في اليمن، إذ ظلت هذه الدول تعمل على تقوية نفوذ وتنامي مراكز القوى خارج الدولة وداخلها وهو ما أدى فعلا إلى إضعاف مكونات الدولة من قبل تلك الشبكة العملاقة من اللوبيات القبلية والجماعات الدينية السياسية المسلحة التي استمرت في التمدد على حساب انكماش الدولة.
نتذكر هذه الوقائع ونحن ندرك من أن (عاصفة الحزم) كانت نتيجة لمرحلة قديمة طافحة بالسلبيات وهذه المرحلة هي من كان يتوجب أن تفهم ملابساتها ومنعطفاتها على العلاقة اليمنية الخليجية باعتبارها مناسبة لمقاربة الإشكاليات التي أفضت إلى أن يصبح اليمن مجالا جاذبا لفيروسات الاختراق الخارجي والتي تقول الدول الخليجية إن ذلك الاختراق من دفعها إلى التدخل العسكري قبل سنتين بهدف منع إيران من التمدد في خاصرتها الجنوبية، وهنا يفرض السؤال نفسه: إذا ما كان الإيرانيون قد قاموا بهذا الاختراق عن طريق جماعة أنصار الله فإن ذلك يوفر الدليل المادي الملموس على أن التدخل الإيراني في اليمن ما كان له أن يحدث لولا الموقف أو اللا موقف الخليجي من اليمن والذي ظل يتعامل مع اليمن كجزيرة نائية في محيط بعيد عن جغرافيتها ومحيطها الإقليمي بيد أن تحميل اليمن وحدها مسؤولية هذه المشكلة فيه الكثير من التسطيح وعدم الواقعية.
اليوم يبدو أن العلاقة بين اليمن والخليج بدأت تستنفد وسائل إنعاشها بعد أن طفت على السطح أحداث التدخل العسكري لعاصفة الحزم وما خلفه هذا التدخل من دمار في البنية الصناعية والتجارية والتعليمية والأمنية، وكذا من تصدعات في نسيج هذه العلاقة ليظهر الأمر وكأن التاريخ يعيد نفسه، فما حدث عقب عاصفة الصحراء خلال حرب الخليج الثانية عام 1990 والذي قيل حينها إن الموقف اليمني كان ضبابيا إثر اجتياح نظام صدام حسين للكويت مما دفع دول الخليج إلى معاقبة اليمن اقتصاديا وسياسيا بدلا من الوقوف على الأسباب التي كانت وراء ذلك الموقف، ولأن ذلك لم يحصل فها هو نفس المشهد يتكرر اليوم عبر (عاصفة الحزم) والتي كان المبرر إليها إيقاف التدخل الإيراني في اليمن، هكذا فهمت رسالة هذه العاصفة لكن ما لم نفهمه حتى الآن هي تلك المفارقة السياسية المتخمة بعلامات التعجب والاستفهام والتي تجعل من خوض حرب ربما تصل تكلفتها المادية إلى مئات البلايين أسهل على دول الخليج من احتواء اليمن اقتصاديا وتنمويا بأقل عشرات المرات من كلفة الحرب وأمام هذه المفارقة التي لم تحظ حتى الآن بالنقاش الموضوعي والجاد ستبقى العلاقات اليمنية الخليجية تتأرجح خارج حسابات أصحابها حتى يتجه هؤلاء نحو بناء حقبة مختلفة في تاريخ الجغرافيا السياسية للمنطقة تقوم على المصالح الجوهرية المشتركة وليس الحروب التي تتولد عنها الأحقاد والضغائن والأفعال الكارثية المسكونة بالمخاطر والأهوال والخذلان للجميع.

كاتب يمني