
حسين السيد
شهد يوم الأربعاء بدء العدّ العكسي الرسمي لإجراءات الطلاق بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، والتي ستنهي علاقة استمرّت 44 عاماً بين الجارين. وبطبيعة الحال فإنّ إنهاء العلاقة هو أمر مؤلم، لكنّ الكثير من المراقبين يتفقون على أنّ هذا الزواج لم يكن حالة حب من النظرة الأولى على الإطلاق. وقد قرّر المستثمرون عدم أخذ أي إجراء مهم يوم الأربعاء، حيث تداول زوج الاسترليني مقابل الدولار الأمريكي ضمن نطاق 70 نقطة أساس، في حين أغلقت جميع أسواق الأسهم الأوروبية الرئيسية على ارتفاع.
لم يكن التكهّن بتحرّكات العملات مهمّة سهلة على الإطلاق لكنّ الأمر في حالة الاسترليني يصبح أعقد بكثير بما أنّنا لم نكن قد رأينا حالة طلاق مشابهة في الماضي. فالظروف الاقتصادية في المملكة المتحدة تُعتبرُ في وضع أفضل بكثير مما كان متوقعاً قبل 9 أشهر، حيث جاءت معظم المؤشرات الاقتصادية مفاجئة من حيث ارتفاعها. من جهة أخرى فإن البنك المركزي الإنجليزي سيتحوّل على الأرجح إلى تبنّي نبرة أكثر تشدّداً بما أنّ تراجع قيمة الاسترليني لا يزال يسهم في زيادة الأسعار. وقد ساعدت هذه العوامل الجنيه في الوصول إلى قاع سعري خلال الأشهر الستة الفائتة، لكن التوقعات المستقبلية بخصوص سعره ستعتمد كثيراً على سير المفاوضات خلال الشهرين المقبلين.
يأمل الدببة المراهنون على هبوط الاسترليني أن يتبنّى الاتحاد الأوروبي موقفاً أكثر تشدّداً من المملكة المتّحدة، لكي يكون ذلك عبرة لم يعتبر من بقية دول الاتحاد الأوروبي. وهذا الأمر سيقود بريطانيا إلى خسارة إمكانية الدخول إلى السوق الأوروبية الموحّدة بالكامل، وسيدفع الشركات إلى تجميع نفقاتها الرأسمالية، كما أن العديد من الشركات العالمية المتعدّدة الجنسيات سوف تنقل مراكزها الأساسية إلى دول أخرى. وإذا حصل هذا الأمر، فإننا سنشهد على الأغلب ضغوطاً بيعية متجدّدة على الاسترليني الذي قد ينخفض إلى مستوى ما دون 1.20 حتى.
ولا شك في أنّ أهم قطاع سيتأثر هو القطاع المالي، وأنا أعتقد بأن العديد من الرؤساء التنفيذيين لن ينتظروا وقتاً طويلاً لكي يقرّروا نقل عملياتهم إلى أماكن أخرى. فدون امتلاك المملكة المتحدة لحق الدخول إلى السوق الأوروبية الموحدة (passporting)، فإن شركات الخدمات المالية في المملكة المتحدة يجب أن توقع اتفاقيات على مستوى الدولة لكي تمارس أنشطتها في الدول الأخرى في الاتحاد الأوروبي، وقد رأينا عدداً من البنوك الاستثمارية تعلن عن عزمها نقل بعض الوظائف إلى دول أخرى في الاتحاد الأوروبي. وإذا تسارعت وتيرة هذا النوع من الأنشطة، فسيكون ذلك بمثابة إشارة إلى أن المفاوضات لا تسير على المسار الصحيح وسيدعم الآراء القائلة بأن الاسترليني سيتّجه نحو الأسفل.
كما أنّ الاتحاد الأوروبي سيعاني أيضاً على المدى المتوسط إذا ما تبنّى موقفاً متشدّداً. ففي نهاية المطاف تعتبر المملكة المتحدة ثاني أكبر اقتصاد ضمن الاتحاد الأوروبي، لكنّ هذا الاتحاد لن يضحّي بالإنجازات التي حققها مشروع يبلغ عمره 76 عاماً بناء على خسائر قصيرة الأجل.
أمّا الثيران المراهنون على ارتفاع الاسترليني من جهة أخرى فيفترضون بأن الفريقين سيكونون قادرين على التوصل إلى اتفاق. على سبيل المثال، ستدفع المملكة المتحدة فاتورة الطلاق، وستسمح بحرية تنقل الأفراد وستحتفظ في المقابل ببعض حقوق الدخول إلى السوق الأوروبية الموحّدة. وأعتقد أن هذا السيناريو سيؤدّي إلى ارتفاع الاسترليني مقارنة مع السيناريو الآخر المراهن على هبوط الاسترليني، إذ إن سيناريو الارتفاع قد يقود إلى صعود بنسبة 10% في زوج الاسترليني مقابل الدولار.
كبير استراتيجيي الأسواق في FXTM